مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - ٤٠ سورة غافر
وتنخدع إذاً لتحرّكهم في البلاد وتنقّلهم في المدن المختلفة، واستعراضهم لقوّتهم: «فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلدِ». «يجادل»: مشتقة من «جدل» وهي في الأصل تعني لفّ الحبل وإحكامه، ثم عمّ استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه، ولهذا فإنّ كلمة (مجادلة) تطلق على عمل الاشخاص المتقابلين ويريد كل شخص أن يلقي حجته ويثبت كلامه ويغلب خصمه.
«تقلب»: مشتقة من «قلب» وتعني التغيير، و «تقلّب» هنا بمعنى التصرّف في المناطق والبلاد المختلفة للسيطرة والتسلّط عليها، وتعني الذهاب والإياب فيها أيضاً.
ّ هدف الآية تحذير للرسول صلى الله عليه و آله والمؤمنين به- في بداية البعثة- من الذين كانوا من الطبقة المستضعفة المحرومة، بأن لا يركنوا إلى الإمكانات المالية أو القوة السياسية والاجتماعية للكفار، ويعتبرونها دليلًا على حقانيتهم أو سبباً لقوتهم الحقيقية، إذ هناك الكثير منهم في تاريخ هذه الدنيا، وقد انكشف ضعفهم وسقطت عنهم سرابيل القوة المزعومة ليبيّن عجزهم حيال العقاب الإلهي.
لذلك توضّح
الآية التي بعدها
عاقبة بعض الامم السابقة التي ضلّت الطريق وانكفأت عن جادّة الحق والصواب، فتقول في عبارات قاطعة واضحة تحكي عاقبة قوم نوح وحالهم ومن تلاهم من أقوام وجماعات: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ».
هؤلاء هم «الأحزاب» الذين تآزروا ووقفوا ضدّ دعوات الأنبياء الإلهيين، لتعارض مصالحهم مع روح هذه الدعوات ومضامينها الربانية.
إنّهم لم يقتنعوا بمجرّد الوقوف ضدّ الدعوات النبوية الكريمة، بل خططت كل امّة منهم لأن تمسك بنبيّها فتسجنه وتؤذيه، بل وحتى تقتله: «وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ».
ثم لم يكتفوا بهذا القدر أيضاً، بل لجأوا إلى الكلام الباطل لأجل القضاء على الحق ومحوه، وأصرّوا على إضلال الناس وصدّهم عن شريعة اللَّه: «وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» [١].
إلّا أنّ هذا الوضع لم يستمر طويلًا، ولم يبق لهم الخير دوماً، إذ حينما حان الوقت المناسب جاء الوعد الإلهي: «فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ».
[١] «ليدحضوا»: مصدرها ثلاثي «إدحاض» وتعني الإزالة والإبطال.