مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١ - ٣١ سورة لقمان
هذا خلق اللَّه: مواصلة للبحث حول القرآن والإيمان به في الآيات السابقة، تتحدث الآيتان أعلاه عن أدلة التوحيد الذي هو أهمّ الاصول العقائدية. تشير الآية الاولى إلى خمسة أقسام من مخلوقات اللَّه التي ترتبط مع بعضها إرتباطاً وثيقاً لا ينفصل، وهي: خلق السماء، وكون الكواكب معلقة في الفضاء، وخلق الجبال لتثبيت الأرض، ثم خلق الدواب، وبعد ذلك الماء والنباتات التي هي وسيلة تغذيتها، فتقول: «خَلَقَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا».
«العَمَد»: جمع «عمود» وتقييد بنائها وإقامتها ب «تَرَوْنَهَا» دليل على أنّه ليس لهذه السماء أعمدة مرئيّة، ومعنى ذلك أنّ لها أعمدة إلّاأنّها غير قابلة للرؤية، فإنّ هذا التعبير إشارة لطيفة إلى قانون الجاذبية الذي يبدو كالعمود القوي جدّاً، إلّاأنّه غير مرئي، يحفظ الأجرام السماوية.
إنّ الجملة أعلاه أحد معاجز القرآن المجيد العلميّة، وقد أوردنا تفصيلًا أكثر عنها في ذيل الآية (٢) من سورة الرعد.
ثم تقول الآية في الغاية من خلق الجبال: «وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ».
وبعد ذكر نعمة استقرار السماء بأعمدة الجاذبية، واستقرار وثبات الأرض بواسطة الجبال، تصل النوبة إلى خلق الكائنات الحية واستقرارها، بحيث تستطيع أن تضع أقدامها في محيط هاديء مطمئن، فتقول: «وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ».
إنّ التعبير ب «مِن كُلّ دَابَّةٍ» إشارة إلى تنوع الحياة في صور مختلفة.
إلّا أنّ من المعلوم أنّ هذه الحيوانات تحتاج إلى الماء والغذاء، ولذلك فإنّ الجملة التالية أشارت إلى هذا الموضوع، فقالت: «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ».
فالكرة الأرضية تعتبر سماطاً واسعاً ذا أغذية متنوعة يمتدّ في جميع أنحائها، ويصلح لكل نوع منها حسب خلقته، مما يدل على عظمة الخالق جل وعلا.
ثم تشير هذه الآية مرّة اخرى إلى مسألة (الزوجية في عالم النباتات) وهي أيضاً من معجزات القرآن العلمية، لأنّ الزوجية- أي وجود الذكر والانثى- في عالم النباتات لم تكن ثابتة في ذلك الزمان بصورة واسعة، والقرآن كشف الستار عنها.
بعد ذكر عظمة اللَّه في عالم الخلقة، وذكر صور مختلفة من المخلوقات، وجّهت الآية الخطاب إلى المشركين، وجعلتهم موضع سؤال واستجواب، فقالت: «هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى