دانشنامه عقايد اسلامي - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٢٨
٦٠٩٠.الإمام الهادي عليه السلام ـ مِن رِسالَةٍ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلى أهلِ الجَبر: إنّا نَبدَأُ مِن ذلِكَ بِقَولِ الصّادِقِ عليه السلام : «لا جَبرَ ولا تَفويضَ ، ولكِن مَنزِلَةٌ بَينَ المَنزِلَتَينِ ، وهِيَ صِحَّةُ الخِلقَةِ ، وتَخلِيَةُ السَّربِ [١] ، وَالمُهلَةُ فِي الوَقتِ ، وَالزّادُ مِثلُ الرّاحِلَةِ ، وَالسَّبَبُ المُهَيِّجُ لِلفاعِلِ عَلى فِعلِهِ» ، فَهذِهِ خَمسَةُ أشياءَ جَمَعَ بِهِ الصّادِقُ عليه السلام جَوامِعَ الفَضلِ ، فَإِذا نَقَصَ العَبدُ مِنها خَلَّةً كانَ العَمَلُ عَنهُ مَطروحا بِحَسَبِهِ . فَأَخبَرَ الصّادِقُ عليه السلام بِأَصلِ ما يَجِبُ عَلَى النّاسِ مِن طَلَبِ مَعرِفَتِهِ ونَطَقَ الكِتابُ بِتَصديقِهِ فَشَهِدَ بِذلِكَ مُحكَماتُ آياتِ رَسولِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه و آله وآلَهُ عليهم السلاملا يَعدونَ شَيئا مِن قَولِهِ وأقاويلُهُم حُدودُ القُرآنِ ، فَإِذا وَرَدَت حَقائِقُ الأَخبارِ وَالتُمِسَت شَواهِدُها مِنَ التَّنزيلِ ، فَوُجِدَ لَها مُوافِقا وعَلَيها دَليلاً كانَ الاِقتِداءُ بِها فَرضا لا يَتَعَدّاهُ إلّا أهلُ العِنادِ ... . ولَمَّا التَمَسنا تَحقيقَ ما قالَهُ الصّادِقُ عليه السلام مِنَ المَنزِلَةِ بَينَ المَنزِلَتَينِ وإنكارِهِ الجَبرَ وَالتَّفويضَ ، وَجَدنَا الكِتابَ قَد شَهِدَ لَهُ وصَدَّقَ مَقالَتَهُ في هذا ، وخَبَرٌ عَنهُ أيضا مُوافِقٌ لِهذا ، أنَّ الصّادِقَ عليه السلام سُئِلَ هَل أجبَرَ اللّه ُ العِبادَ عَلَى المَعاصي ؟ فَقالَ الصّادِقُ عليه السلام : هُوَ أعدَلُ مِن ذلِكَ . فَقيلَ لَهُ : فَهَل فَوَّضَ إلَيهِم ؟ فَقالَ عليه السلام : هُوَ أعَزُّ وأقهَرُ لَهُم مِن ذلِكَ . ورُوِيَ عَنهُ أنَّهُ قالَ : النّاسُ فِي القَدَرِ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ : رَجُلٌ يَزعُمُ أنَّ الأَمرَ مُفَوَّضٌ إلَيهِ فَقَد وَهَّنَ اللّه َ في سُلطانِهِ فَهُوَ هالِكٌ ، ورَجُلٌ يَزعُمُ أنَّ اللّه َ جَلَّ وعَزَّ أجبَرَ العِبادَ عَلَى المَعاصي وكَلَّفَهُم ما لا يُطيقونَ فَقَد ظَلَّمَ اللّه َ في حُكمِهِ فَهُوَ هالِكٌ ، ورَجُلٌ يَزعُمُ أنَّ اللّه َ كَلَّفَ العِبادَ ما يُطيقونَ ولَم يُكَلِّفهُم ما لا يُطيقونَ ؛ فَإِذا أحسَنَ حَمِدَ اللّه وإذا أساءَ استَغفَرَ اللّه َ فَهذا مُسلِمٌ بالِغٌ ، فَأَخبَرَ عليه السلام أنَّ مَن تَقَلَّدَ الجَبرَ وَالتَّفويضَ ودانَ بِهِما فَهُوَ عَلى خِلافِ الحَقِّ ، فَقَد شَرَحتُ الجَبرَ الَّذي مَن دانَ بِهِ يَلزَمُهُ الخَطَأُ ، وأنَّ الَّذي يَتَقَلَّدُ التَّفويضَ يَلزَمُهُ الباطِلُ ، فَصارَتِ المَنزِلَةُ بَينَ المَنزِلَتَينِ بَينَهُما . ثُمَّ قالَ عليه السلام : وأضرِبُ لِكُلِّ بابٍ مِن هذِهِ الأَبوابِ مَثَلاً يُقَرِّبُ المَعنى لِلطّالِبِ ويُسَهِّلُ لَهُ البَحثَ عَن شَرحِهِ ، تَشهَدُ بِهِ مُحكَماتُ آياتِ الكِتابِ وتَحَقَّقَ تَصديقُهُ عِندَ ذَوِي الأَلبابِ ، وبِاللّه ِ التَّوفيقُ وَالعِصمَةُ . فَأَمَّا الجَبرُ الَّذي يَلزَمُ مَن دانَ بِهِ الخَطَأُ ، فَهُوَ قَولُ مَن زَعَمَ أنَّ اللّه َ ـ جَلَّ وعَزَّ ـ أجبَرَ العِبادَ عَلَى المَعاصي وعاقَبَهُم عَلَيها ، ومَن قالَ بِهذَا القَولِ فَقَد ظَلَّمَ اللّه َ في حُكمِهِ وكَذَّبَهُ ورَدَّ عَلَيهِ قَولَهُ : «وَلَا يَظْـلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا» [٢] ، وقَولَهُ : «ذَ لِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَـلَّـمٍ لِّلْعَبِيدِ» [٣] ، وقَولَهُ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْـلِمُ النَّاسَ شَيْـئا وَ لَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْـلِمُونَ» [٤] ، مَعَ آيٍ كَثيرَةٍ في ذِكرِ هذا . فَمَن زَعَمَ أنَّهُ مُجبَرٌ عَلَى المَعاصي فَقَد أحالَ بِذَنبِهِ عَلَى اللّه ِ وقَد ظَلَّمَهُ في عُقوبَتِهِ . ومَن ظَلَّمَ اللّه َ فَقَد كَذَّبَ كِتابَهُ . ومَن كَذَّبَ كِتابَهُ فَقَد لَزِمَهُ الكُفرُ بِاجتِماعِ الاُمَّةِ . ومَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبدا مَملوكا لا يَملِكُ نَفسَهُ ولا يَملِكُ عَرَضا [٥] مِن عَرَضِ الدُّنيا ، ويَعلَمُ مَولاهُ ذلِكَ مِنهُ فَأَمَرَهُ عَلى عِلمٍ مِنهُ بِالمَصيرِ إلَى السّوقِ لِحاجَةٍ يَأتيهِ بِها ولَم يُمَلِّكهُ ثَمَنَ ما يَأتيهِ بِهِ مِن حاجَتِهِ ، وعَلِمَ المالِكُ أنَّ عَلَى الحاجَةِ رَقيبا لا يَطمَعُ أحَدٌ في أخذِها مِنهُ إلّا بِما يَرضى بِهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وقَد وَصَفَ مالِكُ هذَا العَبدِ نَفسَهُ بِالعَدلِ وَالنَّصَفَةِ [٦] وإظهارِ الحِكمَةِ ونَفيِ الجَورِ ، وأوعَدَ عَبدَهُ إن لَم يَأتِهِ بِحاجَتِهِ أن يُعاقِبَهُ عَلى عِلمٍ مِنهُ بِالرَّقيبِ الَّذي عَلى حاجَتِهِ أنَّهُ سَيَمنَعُهُ ، وعَلِمَ أنَّ المَملوكَ لا يَملِكُ ثَمَنَها ولَم يُمَلِّكهُ ذلِكَ . فَلَمّا صارَ العَبدُ إلَى السّوقِ وجاءَ لِيَأخُذَ حاجَتَهُ الَّتي بَعَثَهُ المَولى لَها ، وَجَدَ عَلَيها مانِعا يَمنَعُ مِنها إلّا بِشِراءٍ ولَيسَ يَملِكُ العَبدُ ثَمَنَها ، فَانصَرَفَ إلى مَولاهُ خائِبا بِغَيرِ قَضاءِ حاجَتِهِ ، فَاغتاظَ مَولاهُ مِن ذلِكَ وعاقَبَهُ عَلَيهِ . ألَيسَ يَجِبُ في عَدلِهِ وحُكمِهِ ألّا يُعاقِبَهُ وهُوَ يَعلَمُ أنَّ عَبدَهُ لا يَملِكُ عَرَضا مِن عُروضِ الدُّنيا ولَم يُمَلِّكهُ ثَمنَ حاجَتِهِ ، فَإِن عاقَبَهُ عاقَبَهُ ظالِما مُتَعَدِّيا عَلَيهِ مُبطِلاً لِما وَصَفَ مِن عَدلِهِ وحِكمَتِهِ ونَصَفَتِهِ ، وإن لَم يُعاقِبهُ كَذَّبَ نَفسَهُ في وَعيدِهِ إيّاهُ حينَ أوعَدَهُ بِالكَذِبِ وَالظُّلمِ اللَّذَينِ يَنفِيانِ العَدلَ وَالحِكمَةَ ، تَعالى عَمّا يَقولونَ عُلُوّا كَبيرا . فَمَن دانَ [٧] بِالجَبرِ أو بِما يَدعو إلَى الجَبرِ فَقَد ظَلَّمَ اللّه َ ونَسَبَهُ إلَى الجَورِ وَالعُدوانِ ، إذ أوجَبَ عَلى مَن أجبَرَ[هُ] العُقوبَةَ . ومَن زَعَمَ أنَّ اللّه َ أجبَرَ العِبادَ فَقَد أوجَبَ عَلى قِياسِ قَولِهِ إنَّ اللّه َ يَدفَعُ عَنهُمُ العُقوبَةَ . ومَن زَعَمَ أنَّ اللّه َ يَدفَعُ عَن أهلِ المَعاصِي العَذابَ فَقَد كَذَّبَ اللّه َ في وَعيدِهِ ، حَيثُ يَقولُ : «بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحَـطَتْ بِهِ خَطِيآتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَـبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَــلِدُونَ» [٨] ، وقَولَهُ : «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَ لَ الْيَتَـمَى ظُـلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» [٩] ، وقَولَهُ : «إِنَّ الَّذِين كَفَرُواْ بِـايَـتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا» [١٠] ، مَعَ آيٍ كَثيرَةٍ في هذَا الفَنِّ مِمَّن كَذَّبَ وَعيدَ اللّه ِ ويَلزَمُهُ في تَكذيبِهِ آيَةً مِن كِتابِ اللّه ِ الكُفرُ ، وهُوَ مِمَّن قالَ اللّه ُ : «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَـبِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَ لِكَ مِنكُمْ إِلَا خِزْىٌ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَ مَا اللَّهُ بِغَـفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» [١١] . بَل نَقولُ : إنَّ اللّه َ ـ جَلَّ وعَزَّ ـ جازَى العِبادَ عَلى أعمالِهِم ويُعاقِبُهُم عَلى أفعالِهِم بِالاِستِطاعَةِ الَّتي مَلَّكَهُم إيّاها ، فَأَمَرَهُم ونَهاهُم بِذلِكَ ونَطَقَ كِتابهُ : «مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْـلَمُونَ» [١٢] ، وقالَ جَلَّ ذِكرُهُ : «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» [١٣] ، وقالَ : «الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُـلْمَ الْيَوْمَ» [١٤] . فَهذِهِ آياتٌ مُحكَماتٌ تَنفِي الجَبرَ ومَن دانَ بِهِ . ومِثلُها فِي القُرآنِ كَثيرٌ ، اختَصَرنا ذلِكَ لِئَلّا يَطولَ الكِتابُ وبِاللّه ِ التَّوفيقُ . وأمَّا التَّفويضُ الَّذي أبطَلَهُ الصّادِقُ عليه السلام ، وأخطَأَ مَن دانَ بِهِ وتَقَلَّدَهُ فَهُوَ قَولُ القائِلِ : إنَّ اللّه َ جَلَّ ذِكرُهُ فَوَّضَ إلَى العِبادِ اختِيارَ أمرِهِ ونَهيِهِ وأهمَلَهُم . وفي هذا كَلامٌ دَقيقٌ لِمَن يَذهَبُ إلى تَحريرِهِ ودِقَّتِهِ . وإلى هذا ذَهَبَتِ الأَئِمَّةُ المُهتَدِيَةُ مِن عِترَةِ الرَّسولِ صلى الله عليه و آله ، فَإِنَّهُم قالوا : لَو فَوَّضَ إلَيهِم عَلى جِهَةِ الإِهمالِ ، لَكانَ لازِما لَهُ رِضا مَا اختاروهُ وَاستَوجَبوا مِنهُ الثَّوابَ ، ولَم يَكُن عَلَيهِم فيما جَنَوهُ العِقابُ إذا كانَ الإِهمالُ واقِعا . وتَنصَرِفُ هذِهِ المَقالَةُ عَلى مَعنَيَينِ : إمّا أن يَكونَ العِبادُ تَظاهَروا عَلَيهِ فَأَلزَموهُ قَبولَ اختِيارِهِم بِآرائِهِم ضَرورَةً كَرِهَ ذلِكَ أم أحَبَّ فَقَد لَزِمَهُ الوَهنُ، [١٥] أو يَكونَ ـ جَلَّ وعَزَّ ـ عَجَزَ عَن تَعَبُّدِهِم بِالأَمرِ وَالنَّهيِ عَلى إرادَتِهِ كَرِهوا أو أحَبّوا ، فَفَوَّضَ أمرَهُ ونَهيَهُ إلَيهِم وأجراهُما عَلى مَحَبَّتِهِم إذ عَجَزَ عَن تَعَبُّدِهِم بِإِرادَتِهِ ، فَجَعَلَ الاِختِيارَ إلَيهِم فِي الكُفرِ وَالإِيمانِ . ومَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبدا ابتاعَهُ لِيَخدِمَهُ ويَعرِفَ لَهُ فَضلَ وِلايَتِهِ ويَقِفَ عِندَ أمرِهِ ونَهيِهِ ، وَادَّعى مالِكُ العَبدِ أنَّهُ قاهِرٌ عَزيزٌ حَكيمٌ ، فَأَمَرَ عَبدَهُ ونَهاهُ ووَعَدَهُ عَلَى اتِّباعِ أمرِهِ عَظيمَ الثَّوابِ وأوعَدَهُ عَلى مَعصِيَتِهِ أليمَ العِقابِ ، فَخالَفَ العَبدُ إرادَةَ مالِكِهِ ولَم يَقِف عِندَ أمرِهِ ونَهيِهِ ، فَأَيُّ أمرٍ أمَرَهُ أو أيُّ نَهيٍ نَهاهُ عَنهُ لَم يَأتِهِ عَلى إرادَةِ المَولى ، بَل كانَ العَبدُ يَتَّبِعُ إرادَةَ نَفسِهِ وَاتِّباعَ هَواهُ ، ولا يُطيقُ المَولى أن يَرُدَّهُ إلَى اتِّباعِ أمرِهِ ونَهيِهِ وَالوُقوفِ عَلى إرادَتِهِ ، فَفَوَّضَ اختِيارَ أمرِهِ ونَهيِهِ إلَيهِ ورَضِيَ مِنهُ بِكُلِّ ما فَعَلَهُ عَلى إرادَةِ العَبدِ لا عَلى إرادَةِ المالِكِ ، وبَعَثَهُ في بَعضِ حَوائِجِهِ وسَمّى لَهُ الحاجَةَ ، فَخالَفَ عَلى مَولاهُ وقَصَدَ لِاءِرادَةِ نَفسِهِ واتَّبَعَ هَواهُ ، فَلَمّا رَجَعَ إلى مَولاهُ نَظَرَ إلى ما أتاهُ بِهِ فَإِذا هُوَ خِلافُ ما أمَرَهُ بِهِ ، فَقالَ لَهُ : لِ��َ أتَيتَني بِخِلافِ ما أمَرتُكَ ؟ فَقالَ العَبدُ : اِتَّكَلتُ عَلى تَفويضِكَ الأَمرَ إلَيَّ فَاتَّبَعتُ هَوايَ وإرادَتي ؛ لِأَنَّ المُفَوَّضَ إلَيهِ غَيرُ مَحظورٍ [١٦] عَلَيهِ فَاستَحالَ التَّفويضُ . أوَ لَيسَ يَجِبُ عَلى هذَا السَّبَبِ إمّا أن يَكونَ المالِكُ لِلعَبدِ قادِرا يَأمُرُ عَبدَهُ بِاتِّباع أمرِهِ ونَهيِهِ عَلى إرادَتِهِ لا عَلى إرادَةِ العَبدِ ، ويُمَلِّكُهُ مِنَ الطّاقَةِ بِقَدرِ ما يَأمُرُهُ بِهِ ويَنهاهُ عَنهُ ، فَإِذا أمَرَهُ بِأَمرٍ ونَهاهُ عَن نَهيٍ عَرَّفَهُ الثَّوابَ وَالعِقابَ عَلَيهِما . وحَذَّرَهُ ورَغَّبَهُ بِصِفَةِ ثَوابِهِ وعِقابِهِ لِيَعرِفَ العَبدُ قُدرَةَ مَولاهُ بِما مَلَّكَهُ مِنَ الطّاقَةِ لِأَمرِهِ ونَهيِهِ وتَرغيبِهِ وتَرهيبِهِ ، فَيَكونَ عَدلُهُ وإنصافُهُ شامِلاً لَهُ وحُجَّتُهُ واضِحَةً عَلَيهِ لِلإِعذارِ وَالإِنذارِ . فَإِذَا اتَّبَعَ العَبدُ أمرَ مَولاهُ جازاهُ وإذا لَم يَزدَجِر عَن نَهيِهِ عاقَبَهُ ، أو يَكونُ عاجِزا غَيرَ قادِرٍ فَفَوَّضَ أمرَهُ إلَيهِ أحسَنَ أم أساءَ ، أطاعَ أم عَصى ، عاجِزٌ عَن عُقوبَتِهِ ورَدِّهِ إلَى اتِّباعِ أمرِهِ . وفي إثباتِ العَجزِ نَفيُ القُدرَةِ وَالتَّأَلُّهِ وإبطالُ الأَمرِ وَالنَّهيِ وَالثَّوابِ وَالعِقابِ ومُخالَفَةُ الكِتابِ ، إذ يَقولُ : «وَ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَ إِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ» [١٧] ، وقَولُهُ عز و جل : «اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ» [١٨] ، وقَولُهُ : «وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْاءِنسَ إِلَا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَ مَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ» [١٩] ، وقَولُهُ : «وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْـئا» [٢٠] ، وقَولُهُ : « أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ » [٢١] . فَمَن زَعَمَ أنَّ اللّه َ تَعالى فَوَّضَ أمرَهُ ونَهيَهُ إلى عِبادِهِ فَقَد أثبَتَ عَلَيهِ العَجزَ وأوجَبَ عَلَيهِ قَبولَ كُلِّ ما عَمِلوا مِن خَيرٍ وشَرٍّ وأبطَلَ أمرَ اللّه ِ ونَهيَهُ ووَعدَهُ ووَعيدَهُ ، لِعِلَّةِ ما زَعَمَ أنَّ اللّه َ فَوَّضَها إلَيهِ ؛ لِأَنَّ المُفَوَّضَ إلَيهِ يَعمَلُ بِمَشيئَتِهِ ، فَإِن شاءَ الكُفرَ أوِ الإِيمانَ كانَ غَيرَ مَردودٍ عَلَيهِ ولا مَحظورٍ ، فَمَن دانَ بِالتَّفويضِ عَلى هذَا المَعنى فَقَد أبطَل جَميعَ ما ذَكَرنا مِن وَعدِهِ ووَعيدِهِ وأمرِهِ ونَهيِهِ وهُوَ مِن أهلِ هذِهِ الآيَةِ : «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَـبِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَ لِكَ مِنكُمْ إِلَا خِزْىٌ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَ مَا اللَّهُ بِغَـفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» [٢٢] ، تَعالَى اللّه ُ عَمّا يَدينُ بِهِ أهلُ التَّفويضِ عُلُوّا كَبيرا . لكِن نَقولُ : إنَّ اللّه َ ـ جَلَّ وعَزَّ ـ خَلَقَ الخَلقَ بِقُدرَتِهِ ومَلَّكَهُمُ استِطاعَةً تَعَبَّدَهُم بِها ، فَأَمَرَهُم ونَهاهُم بِما أرادَ فَقَبِلَ مِنهُمُ اتِّباعَ أمرِهِ ورَضِيَ بِذلِكَ لَهُم . ونَهاهُم عَن مَعصِيَتِهِ وذَمَّ مَن عَصاهُ وعاقَبَهُ عَلَيها وللّه ِِ الخِيَرَةُ فِي الأَمرِ وَالنَّهيِ ، يَختارُ ما يُريدُ ويَأمُرُ بِهِ ويَنهى عَمّا يَكرَهُ ويُعاقِبُ عَلَيهِ بِالاِستِطاعَةِ الَّتي مَلَّكَها عِبادَهُ لِاتِّباعِ أمرِهِ وَاجتِنابِ مَعاصيهِ ؛ لِأَنَّهُ ظاهِرُ العَدلِ وَالنَّصَفَةِ وَالحِكمَةِ البالِغَةِ ، بالِغُ الحُجَّةَ بِالإِعذارِ وَالإِنذارِ ، وإلَيهِ الصَّفوَةُ يَصطَفي مِن عِبادِهِ مَن يَشاءُ لِتَبليغِ رِسالَتِهِ وَاحتِجاجِهِ عَلى عِبادِهِ ، اصطَفى مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله وبَعَثَهُ بِرِسالاتِهِ إلى خَلقِهِ ، فَقالَ مَن قالَ مِن كُفّارِ قَومِهِ حَسَدا وَاستِكبارا : «لَوْلَا نُزِّلَ هَـذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» [٢٣] ، يَعني بِذلِكَ اُمَيَّةَ بنَ أبِي الصَّلتِ وأبا مَسعودٍ الثَّقَفِيَّ ، فَأَبطَلَ اللّه ُ اختِيارَهُم ولَم يُجِز لَهُم آراءَهُم ، حَيثُ يَقولُ : «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ» [٢٤] . ولِذلِكَ اختارَ مِنَ الاُمورِ ما أحَبَّ ونَهى عَمّا كَرِهَ ، فَمَن أطاعَهُ أثابَهُ ومَن عَصاهُ عاقَبَهُ ، ولَو فَوَّضَ اختِيارَ أمرِهِ إلى عِبادِهِ لَأَجازَ لِقُرَيشٍ اختِيارَ اُمَيَّةَ بنِ أبِي الصَّلتِ وأبي مَسعودٍ الثَّقَفِيِّ ، إذ كانا عِندَهُم أفضَلَ مِن مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله . فَلَمّا أدَّبَ اللّه ُ المُؤمِنينَ بِقَولِهِ : «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» [٢٥] ، فَلَم يُجِز لَهُمُ الاِختِيارَ بِأَهوائِهِم ولَم يَقبَل مِنهُم إلَا اتِّباعَ أمرِهِ وَاجتِنابَ نَهيِهِ عَلى يَدَي مَنِ اصطَفاهُ ، فَمَن أطاعَهُ رَشَدَ ومَن عَصاهُ ضَلَّ وغَوى ولَزِمَتهُ الحُجَّةُ بِما مَلَّكَهُ مِنَ الاِستِطاعَةِ لِاتِّباعِ أمرِهِ وَاجتِنابِ نَهيِهِ ، فَمِن أجلِ ذلِكَ حَرَمَهُ ثَوابَهُ وأنزَلَ بِهِ عِقابَهُ . وهذَا القَولُ بَينَ القَولَينِ لَيسَ بِجَبرٍ ولا تَفويضٍ ، وبِذلِكَ أخبَرَ أميرُ المُؤمِنينَ ـ صَلَواتُ اللّه ِ عَلَيهِ ـ عَبايَةَ بنَ رِبعِيٍّ الأَسَدِيَّ حينَ سَأَلَهُ عَنِ الاِستِطاعَةِ الَّتي بِها يَقومُ ويَقعُدُ ويَفعَلُ فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : سَأَلتَ عَنِ الاِستِطاعَةِ تَملِكُها مِن دونِ اللّه ِ أو مَعَ اللّه ِ ، فَسَكَتَ عَبايَةُ ، فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : قُل يا عَبايَةُ . قالَ : وما أقولُ ؟ ... قالَ عليه السلام : تَقولُ : إنَّكَ تَملِكُها بِاللّه ِ الَّذي يَملِكُها مِن دونِكَ ، فَإِن يُمَلِّكها إيّاكَ كانَ ذلِكَ مِن عَطائِهِ ، وإن يَسلُبكَها كانَ ذلِكَ مِن بَلائِهِ ، هُوَ المالِكُ لِما مَلَّكَكَ وَالقادِرُ عَلى ما عَلَيهِ أقدَرَكَ ، أما سَمِعتَ النّاسَ يَسأَلونَ الحَولَ وَالقُوَّةَ حينَ يَقولونَ : لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللّه ِ . قالَ عَبايَةُ : وما تَأويلُها يا أميرَ المُؤمِنينَ ؟ قالَ عليه السلام : لا حَولَ عَنِ مَعاصِي اللّه ِ إلّا بِعِصمَةِ اللّه ِ ولا قُوَّةَ لَنا عَلى طاعَةِ اللّه ِ إلّا بِعَونِ اللّه ِ ، قالَ : فَوَثَبَ عَبايَةُ فَقَبَّلَ يَدَيهِ ورِجلَيهِ . ورُوِيَ عَن أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام حينَ أتاهُ نَجدَةُ يَسأَلُهُ عَن مَعرِفَةِ اللّه ِ ، قالَ : يا أميرَ المُؤمِنينَ بِماذا عَرَفتَ رَبَّكَ ؟ قالَ عليه السلام : بِالتَّمييزِ الَّذي خَوَّلَني وَالعَقلِ الَّذي دَلَّني . قالَ : أفَمَجبولٌ أنتَ عَلَيهِ ؟ قالَ : لَو كُنتُ مَجبولاً ما كُنتُ مَحمودا عَلى إحسانٍ ولا مَذموما عَلى إساءَةٍ ، وكانَ المُحسِنُ أولى بِاللّائِمَةِ مِنَ المُسيءِ ، فَعَلِمتُ أنَّ اللّه َ قائِمٌ باقٍ وما دونَهُ حَدَثٌ حائِلٌ زائِلٌ ، ولَيسَ القَديمُ الباقي كَالحَدَثِ الزّائِلِ . قالَ نَجدَةُ : أجِدُكَ أصبَحتَ حَكيما يا أميرَ المُؤمِنينَ ؟ قالَ : أصبَحتُ مُخَيَّرا ، فَإِن أتَيتُ السَّيِّئَةَ بِمَكانِ الحَسَنَةِ فَأَنَا المُعاقَبُ عَلَيها . ورُوِيَ عَن أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ بَعدَ انصِرافِهِ مِنَ الشّامِ ، فَقالَ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ، أخبِرنا عَن خُروجِنا إلَى الشّامِ بِقَضاءٍ وقَدَرٍ ؟ قالَ عليه السلام : نَعَم يا شَيخُ ، ما عَلَوتُم تَلعَةً [٢٦] ولا هَبَطتُم وادِيا إلّا بِقَضاءٍ وقَدَرٍ مِنَ اللّه ِ . فَقالَ الشَّيخُ : عِندَ اللّه ِ أحتَسِبُ عَنائي يا أميرَ المُؤمِنينَ . فَقالَ عليه السلام : مَه يا شَيخُ ، فَإِنَّ اللّه َ قَد عَظَّمَ أجرَكُم في مَسيرِكُم وأنتُم سائِرونَ ، وفي مَقامِكُم وأنتُم مُقيمونَ ، وفِي انصِرافِكُم وأنتُم مُنصَرِفونَ ، ولَم تَكونوا في شَيءٍ مِن اُمورِكُم مُكرَهينَ ولا إلَيهِ مُضطَرّينَ ، لَعَلَّكَ ظَنَنتَ أنَّهُ قَضاءٌ حَتمٌ وقَدَرٌ لازِمٌ ، لَو كانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوابُ وَالعِقابُ ولَسَقَطَ الوَعدُ وَالوَعيدُ ، ولَما اُلزِمَتِ الأَشياءُ أهلَها عَلَى الحَقائِقِ ؛ ذلِكَ مَقالَةُ عَبَدَةِ الأَوثانِ وأولِياء الشَّيطانِ ، إنَّ اللّه َ ـ جَلَّ وعَزَّ ـ أمَرَ تَخييرا ونَهى تَحذيرا ولَم يُطَع مُكرِها ولَم يُعصَ مَغلوبا ، ولَم يَخلُقِ السَّماواتِ وَالأَرضَ وما بَينَهُما باطِلاً «ذَ لِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ» . فَقامَ الشَّيخُ فَقَبَّلَ رَأسَ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام وأنشَأَ يَقولُ : ٠ أنتَ الإِمامُ الَّذي نَرجو بِطاعَتِهِ يَومَ النَّجاةِ مِنَ الرَّحمنِ غُفرانا ٠ ٠ أوضَحتَ مِن دينِنا ما كانَ مُلتَبِسا جَزاكَ رَبُّكَ عَنّا فيهِ رِضوانا ٠ ٠ فَلَيسَ مَعذِرَةٌ في فِعلِ فاحِشَةٍ قَد كُنتُ راكِبَها ظُلما وعِصيانا ٠ فَقَد دَلَّ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام عَلى مُوافَقَةِ الكِتابِ ونَفيِ الجَبرِ وَالتَّفويضِ اللَّذَينِ يُلزِمانِ مَن دانَ بِهِما وتَقَلَّدَهُمَا الباطِلَ وَالكُفرَ وتَكذيبَ الكِتابِ ونَعوذُ بِاللّه ِ مِنَ الضَّلالَةِ وَالكُفرِ ، ولَسنا نَدينُ بِجَبرٍ ولا تَفويضٍ ، لكِنّا نَقولُ بِمَنزِلَةٍ بَينَ المَنزِلَتَينِ ، وهُوَ الاِمتِحانُ وَالاِختِبارُ بِالاِستِطاعَةِ الَّتي مَلَّكَنَا اللّه ُ وتَعَبَّدَنا بِها عَلى ما شَهِدَ بِهِ الكِتابُ ، ودانَ بِهِ الأَئِمَّةُ الأَبرارُ مِن آلِ الرَّسولِ صَلَواتُ اللّه ِ عَلَيهِم . ومَثَلُ الاِختِبارِ بِالاِستِطاعَةِ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبدا ومَلَكَ مالاً كَثيرا أحَبَّ أن يَختَبِرَ عَبدَهُ عَلى عِلمٍ مِنهُ بِما يَؤولُ إلَيهِ ، فَمَلَّكَهُ مِن مالِهِ بَعضَ ما أحَبَّ ووَقَفَهُ عَلى اُمورٍ عَرَّفَهَا العَبدَ ، فَأَمَرَهُ أن يَصرِفَ ذلِكَ المالَ فيها ونَهاهُ عَن أسبابٍ لَم يُحِبَّها وتَقَدَّمَ إلَيهِ أن يَجتَنِبَها ولا يُنفِقَ مِن مالِهِ فيها ، وَالمالُ يُتَصَرَّفُ في أيِّ الوَجهَينِ ، فَصَرفُ المالَ أحَدُهُما فِي اتِّباعِ أمرِ المَولى ورِضاهُ ، وَالآخَرُ صَرفُهُ فِي اتِّباعِ نَهيِهِ وسَخَطِهِ . وأسكَنَهُ دارَ اختِبارٍ أعلَمَهُ أنَّهُ غَيرُ دائِمٍ لَهُ السُّكنى فِي الدّارِ ، وأنَّ لَهُ دارا غَيرَها وهُوَ مُخرِجُهُ إلَيها فيها ثَوابٌ وعِقابٌ دائِمانِ . فَإِن أنفَذَ العَبدُ المالَ الَّذي مَلَّكَهُ مَولاهُ فِي الوَجهِ الَّذي أمَرَهُ بِهِ جَعَلَ لَهُ ذلِكَ الثَّوابَ الدّائِمَ في تِلكَ الدّارِ الَّتي أعلَمَهُ أنَّهُ مُخرِجُهُ إلَيها ، وإن أنفَقَ المالَ فِي الوَجهِ الَّذي نَهاهُ عَن إنفاقِهِ فيهِ جَعَلَ لَهُ ذلِكَ العِقابَ الدّائِمَ في دارِ الخُلودِ . وقَد حَدَّ المَولى في ذلِكَ حَدّا مَعروفا وهُوَ المَسكَنُ الَّذي أسكَنَهُ فِي الدّارِ الاُولى ، فَإِذا بَلَغَ الحَدَّ استَبدَلَ المَولى بِالمالِ وبِالعَبدِ عَلى أنَّهُ لَم يَزَل مالِكا لِلمالِ وَالعَبدِ فِي الأَوقاتِ كُلِّها ، إلّا أنَّهُ وَعَدَ ألّا يَسلُبَهُ ذلِكَ المالَ ما كانَ في تِلكَ الدّارِ الاُولى إلى أن يَستَتِمَّ سُكناهُ فيها ، فَوَفى لَهُ ؛ لِأَنَّ مِن صِفاتِ المَولى العَدلَ وَالوَفاءَ وَالنَّصَفَةَ وَالحِكمَةَ ، أوَ لَيسَ يَجِبُ إن كانَ ذلِكَ العَبدُ صَرَفَ ذلِكَ المالَ فِي الوَجهِ المَأمورِ بِهِ أن يَفِيَ لَهُ بِما وَعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ ، وتَفَضَّلَ عَلَيهِ بِأَنِ استَعمَلَهُ في دارٍ فانِيَةٍ وأثابَهُ عَلى طاعَتِهِ فيها نَعيما في دارٍ باقِيَةٍ دائِمَةٍ . وإن صَرَفَ العَبدُ المالَ الَّذي مَلَّكَهُ مَولاهُ أيّامَ سُكناهُ تِلكَ الدّارَ الاُولى فِي الوَجهِ المَنهِيِّ عَنهُ وخالَفَ أمرَ مَولاهُ ، كَذلِكَ تَجِبُ عَلَيهِ العُقوبَةُ الدّائِمَةُ الَّتي حَذَّرَهُ إيّاها ، غَيرَ ظالِمٍ لَهُ لِما تَقَدَّمَ إلَيهِ وأعلَمَهُ وعَرَّفَهُ وأوجَبَ لَهُ الوَفاءَ بِوَعدِهِ ووَعيدِهِ ، بِذلِكَ يوصَفُ القادِرُ القاهِرُ . وأمَّا المَولى فَهُوَ اللّه ُ جَلَّ وعَزَّ ، وأمَّا العَبدُ فَهُوَ ابنُ آدَمَ المَخلوقُ ، وَالمالُ قُدرَةُ اللّه ِ الواسِعَةُ ، ومِحنَتُهُ إظهارُهُ الحِكمَةَ وَالقُدرَةَ ، وَالدّارُ الفانِيَةُ هِيَ الدُّنيا وبَعضُ المالِ الَّذي مَلَّكَهُ مَولاهُ هُوَ الاِستِطاعَةُ الَّتي مَلَّكَ ابنَ آدَمَ . وَالاُمورُ الَّتي أمَرَ اللّه ُ بِصَرفِ المالِ إلَيها هُوَ الاِستِطاعَةُ لِاتِّباعِ الأَنبِياءِ وَالإِقرارِ بِما أورَدوهُ عَنِ اللّه ِ جَلَّ وعَزَّ ، وَاجتِنابُ الأَسبابِ الَّتي نَهى عَنها هِيَ طُرُقُ إبليسَ . وأمّا وَعدُهُ فَالنَّعيمُ الدّائِمُ وهِيَ الجَنَّةُ . وأمَّا الدّارُ الفانِيَةُ فَهِيَ الدُّنيا ، وأمَّا الدّارُ الاُخرى فَهِيَ الدّارُ الباقِيَةُ وهِيَ الآخِرَةُ . وَالقَول بَينَ الجَبرِ وَالتَّفويضِ هُوَ الاِختِبارُ وَالاِمتِحانُ وَالبَلوى بِالاِستِطاعَةِ الَّتي مَلَّكَ العَبدَ . وشَرحُها فِي الخَمسَةِ الأَمثالِ الَّتي ذَكَرَهَا الصّادِقُ عليه السلام [٢٧] أنَّها جَمَعَت جَوامِعَ الفَضلِ ، وأنَا مُفَسِّرُها بِشَواهِدَ مِنَ القُرآنِ وَالبَيانِ إن شاءَ اللّه ُ . أمّا قَولُ الصّادِقِ عليه السلام ، فَإِنَّ مَعناهُ كَمالُ الخَلقِ لِلإِنسانِ ، وكَمالُ الحَواسِّ وثَباتُ العَقلِ وَالتَّمييزِ وإطلاقُ اللِّسانِ بِالنُّطقِ ؛ وذلِكَ قَولُ اللّه ِ : «وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وَحَمَلْنَـهُمْ فِى الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْنَـهُم مِّنَ الطَّيِّبَـتِ وَ فَضَّلْنَـهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً» [٢٨] ، فَقَد أخبَرَ عز و جل عَن تَفضيلِهِ بَني آدَمَ عَلى سائِرِ خَلقِهِ مِنَ البَهائِمِ وَالسِّباعِ ودَوابِّ البَحرِ وَالطَّيرِ وكُلِّ ذي حَرَكَةٍ تُدرِكُهُ حَواسُّ بَني آدَمَ بِتَمييزِ العَقلِ وَالنُّطقِ ؛ وذلِكَ قَولُهُ : «لَقَدْ خَلَقْنَا الْاءِنسَـنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» [٢٩] . وقَولُهُ : «يَـأَيُّهَا الْاءِنسَـنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِى أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ» [٣٠] ، وفي آياتٍ كَثيرَةٍ . فَأَوَّلُ نِعمَةِ اللّه ِ عَلَى الإِنسانِ صِحَّةُ عَقلِهِ وتَفضيلُهُ عَلى كَثيرٍ مِن خَلقِهِ بِكَمالِ العَقلِ وتَمييزِ البَيانِ ، وذلِكَ أنَّ كُلَّ ذي حَرَكَةٍ عَلى بَسيطِ الأَرضِ هُوَ قائِمٌ بِنَفسِهِ بِحَواسِّهِ مُستَكمِلٌ في ذاتِهِ ، فَفَضَّلَ بَني آدَمَ بِالنُّطقِ الَّذي لَيسَ في غَيرِهِ مِنَ الخَلقِ المُدرِكِ بِالحَواسَّ ، فَمِن أجلِ النُّطقِ مَلَّكَ اللّه ُ ابنَ آدَمَ غَيرَهُ مِنَ الخَلقِ ، حَتّى صارَ آمِرا ناهِيا وغَيرُهُ مُسَخَّرٌ لَهُ ، كَما قالَ اللّه ُ : «كَذَ لِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ» [٣١] ، وقالَ : «وَ هُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا» [٣٢] ، وقالَ : «وَ الْأَنْعَـمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْ ءٌ وَ مَنَـفِع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَ لَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ * وَ تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَــلِغِيهِ إِلَا بِشِقِّ الْأَنفُسِ» [٣٣] . فَمِن أجلِ ذلِكَ دَعَا اللّه ُ الإِنسانَ إلَى اتِّباعِ أمرِهِ وإلى طاعَتِهِ ، بِتَفضيلِهِ إيّاهُ بِاستِواءِ الخَلقِ وكَمالِ النُّطقِ وَالمَعرِفَةِ بَعدَ أن مَلَّكَهُمُ استِطاعَةَ ما كانَ تَعَبَّدَهُم بِهِ ، بِقَولِهِ : «فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُواْ وَ أَطِيعُواْ» ، [٣٤] وقَولِهِ : «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا» [٣٥] ، وقَولِهِ : «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا مَا ءَاتَاهَا» [٣٦] ، وفي آياتٍ كَثيرَةٍ . فَإِذا سَلَبَ مِنَ العَبدِ حاسَّةً مِن حَواسِّهِ رَفَعَ العَمَلَ عَنهُ بِحاسَّتِهِ ، كَقَولِهِ : «لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ» [٣٧] الآيَةَ . فَقَد رَفَعَ عَن كُلِّ مَن كانَ بِهذِهِ الصِّفَةِ الجِهادَ وجَميعَ الأَعمالِ الَّتي لا يَقومُ بِها ، وكَذلِكَ أوجَبَ عَلى ذِي اليَسارِ الحَجَّ وَالزَّكاةَ لِما مَلَّكَهُ مِنِ استِطاعَةِ ذلِكَ ولَم يوجِب عَلَى الفَقيرِ الزَّكاةَ وَالحَجَّ ؛ قَولُهُ : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» [٣٨] ، وقَولُهُ فِي الظِّهارِ : «وَ الَّذِينَ يُظَـهِرُونَ مِن نِّسَائهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» إلى قَولِهِ : «فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» [٣٩] . كُلُّ ذلِكَ دَليلٌ عَلى أنَّ اللّه َ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ لَم يُكَلِّف عِبادَهُ إلّا ما مَلَّكَهُمُ استِطاعَتَهُ بِقُوَّةِ العَمَلِ بِهِ ونَهاهُم عَن مِثلِ ذلِكَ ، فَهذِهِ صِحَّةُ الخِلقَةِ . وأمّا قَولُهُ : تَخلِيَةُ السَّربِ فَهُوَ الَّذي لَيسَ عَلَيهِ رَقيبٌ يَحظُرُ عَلَيهِ ويَمنَعُهُ العَمَلَ بِما أمَرَهُ اللّه ُ بِهِ ، وذلِكَ قَولُهُ فيمَنِ استُضعِفَ وحُظِرَ عَلَيهِ العَمَلُ فَلَم يَجِد حيلَة ولا يَهتَدي سَبيلاً ، كَما قالَ اللّه ُ تَعالى : «إِلَا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَ نِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً» [٤٠] ، فَأَخبَرَ أنَّ المُستَضعَفَ لَم يُخَلَّ سَربُهُ ولَيسَ عَلَيهِ مِنَ القَولِ شَيءٌ إذا كانَ مُطمَئِنَّ القَلبِ بِالإِيمانِ . وأمَّا المُهلَةُ فِي الوَقتِ فَهُوَ العُمُرُ الَّذي يُمَتَّعُ الإِنسانُ مِن حَدِّ ما تَجِبُ عَلَيهِ المَعرِفَةُ إلى أجَلِ الوَقتِ ، وذلِكَ مِن وَقتِ تَمييزِهِ وبُلوغِ الحُلُمِ إلى أن يَأتِيَهُ أجَلُهُ . فَمَن ماتَ عَلى طَلَبِ الحَقِّ ولَم يُدرِك كَمالَهُ فَهُوَ عَلى خَيرٍ ؛ وذلِكَ قَولُهُ : «وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» [٤١] الآيَةَ ، وإن كانَ لَم يَعمَل بِكَمالِ شَرائِعِهِ لِعِلَّةِ ما لَم يُمهِلهُ فِي الوَقتِ إلَى استِتمامِ أمرِهِ . وقَد حَظَرَ عَلَى البالِغِ ما لَم يَحظُر عَلَى الطِّفلِ إذا لَم يَبلُغِ الحُلُمَ في قَولِهِ : «وَ قُل لِّلْمُؤْمِنَـتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـرِهِنَّ» [٤٢] الآيَةَ ، فَلَم يَجعَل عَلَيهِنَّ حَرَجا في إبداءِ الزّينَةِ لِلطِّفلِ ، وكَذلِكَ لا تَجري عَلَيهِ الأَحكامُ . وأمّا قَولُهُ : الزّادُ . فَمَعناهُ الجِدَةُ [٤٣] وَالبُلغَةُ [٤٤] الَّتي يَستَعينُ بِهَا العَبدُ عَلى ما أمَرَهُ اللّه ُ بِهِ . وذلِكَ قَولُهُ : «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ» [٤٥] الآيَةَ ، ألاتَرى أنَّهُ قَبِلَ عُذرَ مَن لَم يَجِد ما يُنفِقُ ، وألزَمَ الحُجَّةَ كُلَّ مَن أمكَنَتهُ البُلغَةُ وَالرّاحِلَةُ لِلحَجِّ وَالجِهادِ وأشباهِ ذلِكَ ، وكَذلِكَ قَبِلَ عُذرَ الفُقَراءِ وأوجَبَ لَهُم حَقّا في مالِ الأَغنِياءِ بِقَولِهِ : «لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِل أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـهُمْ لَا يَسْئلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» [٤٦] ، فَأَمَرَ بِإِعفائِهِم ولَم يُكَلِّفهُمُ الإِعدادَ لِما لا يَستَطيعونَ ولا يَملِكونَ . وأمّا قَولُهُ فِي السَّبَبِ المُهَيِّجِ : فَهُوَ النِّيَّةُ الَّتي هِيَ داعِيَةُ الإِنسانِ إلى جَميعِ الأَفعالِ وحاسَّتُهَا القَلبُ ، فَمَن فَعَلَ فِعلاً وكانَ بِدينٍ لَم يَعقِد قَلبُهُ عَلى ذلِكَ لَم يَقبَلِ اللّه ُ مِنهُ عَمَلاً إلّا بِصِدقِ النِّيَّةِ ، ولِذلِكَ أخبَرَ عَنِ المُنافِقينَ بِقَولِهِ : «يَقُولُونَ بِأَفْوَ هِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ» [٤٧] ، ثُمَّ أنزَلَ عَلى نَبِيِّهِ صلى الله عليه و آله تَوبيخا لِلمُؤمِنينَ : «يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ» [٤٨] الآيَةَ ، فَإِذا قالَ الرَّجُلُ قَولاً وَاعتَقَدَ في قَولِهِ دَعَتهُ النِّيَّةُ إلى تَصديقِ القَولِ بِإِظهارِ الفِعلِ ، وإ��ا لَم يَعتَقِدِ القَولَ لَم تَتَبَيَّن حَقيقَتُهُ . وقَد أجازَ اللّه ُ صِدقَ النِّيَّةِ وإن كانَ الفِعلُ غَيرَ مُوافِقٍ لَها لِعِلَّةِ مانِعٍ يَمنَعُ إظهارَ الفِعلِ في قَولِهِ : «إِلَا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْاءِيمَـنِ» [٤٩] ، وقَولِهِ : «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَـنِكُمْ» [٥٠] ، فَدَلَّ القُرآنُ وأخبارُ الرَّسولِ صلى الله عليه و آله أنَّ القَلبَ مالِكٌ لِجَميعِ الحَواسِّ يُصَحِّحُ أفعالَها ولا يُبطِلُ ما يُصَحِّحُ القَلبُ شَيءٌ . فَهذا شَرحُ جَميعِ الخَمسَةِ الأَمثالِ الَّتي ذَكَرَهَا الصّادِقُ عليه السلام أنَّها تَجمَعُ المَنزِلَةَ بَينَ المَنزِلَتَينِ وهُمَا الجَبرُ وَالتَّفويضُ ، فَإِذَا اجتَمَعَ فِي الإِنسانِ كَمالُ هذِهِ الخَمسَةِ الأَمثالِ وَجَبَ عَلَيهِ العَمَلُ كَمُلاً لِما أمَرَ اللّه ُ عز و جل بِهِ ورَسُولُهُ ، وإذا نَقَصَ العَبدُ مِنها خَلَّةً كانَ العَمَلُ عَنها مَطروحا بِحَسَبِ ذلِكَ . [٥١]
[١] السَّرْبُ : المسلَكُ والطريق (النهاية : ج ٢ ص ٣٥٦ «سرب») .[٢] الكهف : ٤٩ .[٣] الحجّ : ١٠ .[٤] يونس : ٤٤ .[٥] العَرَض : متاع الدنيا وحطامها (النهاية : ج ٣ ص ٢١٤ «عرض») .[٦] أنصفت الرجل : عاملته بالعدل والقسط . والاسم : النَّصَفَة (المصباح المنير : ص ٦٠٨ «نصف») .[٧] دانَ بدينهم : أي اتَّبَعَهم ووافقهم عليه (النهاية : ج ٢ ص ١٤٩ «دين») .[٨] البقره : ٨١ .[٩] النساء : ١٠ .[١٠] النساء : ٥٦ .[١١] البقرة : ٨٥ .[١٢] الأنعام : ١٦٠ .[١٣] آل عمران : ٣٠ .[١٤] غافر : ١٧ .[١٥] الوَهن : الضَّعف (الصحاح : ج ٦ ص ٢٢١٥ «وهن») .[١٦] حَظَرت الشيء : إذا حرّمته ، والحَظر : المنع ، والمحظور يراد به الحَرام (النهاية : ج ١ ص ٤٠٥ «حظر») .[١٧] الزمر : ٧ .[١٨] آل عمران : ١٠٢ .[١٩] الذاريات : ٥٦ و ٥٧ .[٢٠] النساء : ٣٦ .[٢١] الأنفال : ٢٠ . وقد وقع تصحيف من قبل النسّاخ في الآية الشريفة في المصدر فصحَّحناه طبقا للمصحف الشريف .[٢٢] البقرة : ٨٥ .[٢٣] الزخرف : ٣١ .[٢٤] الزخرف : ٣٢ .[٢٥] الأحزاب : ٣٦ .[٢٦] التَلْعَةُ : ما ارتفع من الأرض (الصحاح : ج ٣ ص ١١٩٢ «تلع») .[٢٧] أي صحّة الخلقة ، وتخلية السرب ، والمهلة في الوقت ، والزاد ، والسبب المهيّج .[٢٨] الاسراء : ٧٠ .[٢٩] التين : ٤ .[٣٠] الانفطار : ٦ ـ ٨ .[٣١] الحجّ : ٣٧ .[٣٢] النحل : ١٤ .[٣٣] النحل : ٥ ـ ٧ . والدف ء : السخانة وهي ما يستدفى ء به من اللباس المعمول من الصوف والوبر .[٣٤] التغابن : ١٦ .[٣٥] البقرة : ٢٨٦ .[٣٦] الطلاق : ٧ .[٣٧] النور : ٦١ .[٣٨] آل عمران : ٩٧ .[٣٩] المجادلة : ٣ و ٤ .[٤٠] النساء : ٩٨ .[٤١] النساء : ١٠٠ .[٤٢] النور : ٣١ .[٤٣] الجِدَةُ : الغِنى وكثرة المال و الاستطاعة (مجمع البحرين : ج ٣ ص ١٩٠٩ «وجد») .[٤٤] البُلغَةُ : الكفاية ، وهو ما يكتفى به في العيش (مجمع البحرين : ج ١ ص ١٨٧ «بلغ») .[٤٥] التوبة : ٩١ .[٤٦] البقرة : ٢٧٣ .[٤٧] آل عمران : ١٦٧ .[٤٨] الصفّ : ٢ .[٤٩] النحل : ١٠٦ .[٥٠] البقرة : ٢٢٥ .[٥١] تحف العقول : ص ٤٦٠ ـ ٤٧٣ ، بحار الأنوار : ج ٥ ص ٧٠ ـ ٨٠ وراجع الاحتجاج : ج ٢ ص ٤٩٠ ح ٣٢٨ وبحار الأنوار : ج ٥ ص ٢٢ ح ٣٠ .