العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٣ - الفطرة حالة استعداد لا تعني الاِجبار وسلب الاِختيار
والوجود أية مرتبة منه ذاته وجبلته الوحدة والاِتفاق ، ما به الاِمتياز فيه عين ما به الاِشتراك ، به استمساك الماهيات التي هي مثار الكثرة والمخالفة ، فهو جهة ارتباطها ونظمها وبه لا انفصام لها.
وبالجملة قد ظهر لك أن اختلاف الوجودات مرتبة في العين ، واختلاف قبول الماهيات لمراتب الوجود المقول بالتشكيك فيه ، على طبق اختلاف الماهيات بحسب المفهوم في العلم. وهذا معنى اختلاف الطينة في الاَزل كما هو عن الاَئمة : مأثور .... وهو مقتضى العدل.
ويمكن التوفيق بين هذا القول التحقيقي البرهاني والذوقي الوجداني ، وبين القول بالتسوية في الطينة باعتبار الوجود والماهية ، ولا سيما في مقام الجمع.
ـ شرح الاَسماء الحسنى ج ١ ص ٥٤
قال صدر المتألهين : إن الله عز وجل لا يولي أحداً إلا ما تولاه طبعاً وإرادة ، وهذا عدل منه ورحمة. وقد ورد أن الله تعالى خلق الخلق كلهم في ظلمة ثم قال : ليختر كل منكم لنفسه صورة أخلقه عليها ، وهو قوله : خلقناكم ثم صورناكم ، فمنهم من قال رب اخلقني خلقاً قبيحاً أبعد ما يكون في التناسب وأوغله في التنافر ، حتى لا يكون مثلي في القبح والبعد عن الاِعتدال أحد ، ومنهم من قال خلاف ذلك ، وكل منهما أحب لنفسه التفرد فإن حب الفردانية فطرة الله السارية في كل الاَمم التي تقوم بها وجود كل شيَ ، فخلق الله كلاً على ما اختاره لنفسه ، فتحت كل منكر معروف وقبل كل لعنة رحمة وهي الرحمة التي وسعت كل شيَ ، فإن الله يولي كلاً ما تولى ، وهو قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ، فإن شك في ذلك شاك فليتأمل قوله تعالى : إنا عرضنا الاَمانة على السموات والاَرض والجبال فأبين أن يحملنها .. الآية ، ليعلم أن الله تعالى لا يحمل أحداً شيئاً قهراً وقسراً ، بل يعرضه أولاً فإن تولاه ولاه وإلا فلا. وهذا من رحمة الله وعدله.