العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١٧٧ - حكم الاِنسان في مرحلة التفكير والبحث
جزم السيد الشريف المرتضى رضي الله عنه بكفره ، واستشكل بعضهم. والظاهر أن محل النزاع في من لم يسبق منه اعتقاد ما يوجب الكفر ، فإنه في زمان طلب الحق بالنظر فيه مع بقاء ذلك الاِعتقاد لا ريب في كفره. بل النزاع في من هو في أول مراتب التكليف إذا وجه نفسه للنظر في تحقيق الحق ليعتقده ولم يكن معتقداً لما يوجب الكفر بل هو متردد حتى يرجح عنده شيء فيعتقده. وكذا من سبق له اعتقاد ما يوجب الكفر رجع عنه إلى الشك بسبب نظره في تحقيق الحق ولما يترجح عنده الحق ، فهذان هل هما كافران في مدة النظر أم لا؟
أقول : ما تقدم من تعريف الكفر بأنه عدم الاِيمان مما من شأنه أن يكون مؤمناً يقتضي الحكم بكفرهما حالة النظر ، لصدق عدم الاِيمان عليهما في تلك الحالة ، وهذا مشكل جداً ، لاَنه يقتضي الحكم بكفر كل أحد أول كمال عقله الذي هو أول وقت التكليف بالمعرفة ، لاَنه أول وقت إمكان النظر ، إذ النظر قبله لا عبرة به ، ويقتضي أن يكون من أدركه الموت في تلك الحالة مخلداً في جهنم. ولا يخفى بعد ذلك عن حكمة الله تعالى وعدله ، ولزوم : إما تكليف ما لا يطاق إن عذبه على ترك الاِيمان ، حيث لم يمض له وقت يمكن تحصيله فيه قبل الموت كما هو المفروض ، أو الظلم الصرف إن لم يقدر على ذلك ، تعالى الله عن ذلك ، إذ لم يسبق له إعتقاد ما يوجب الكفر كما هو المفروض أيضاً ، ليكون التعذيب عليه.
ويلزم من ذلك القدح في صحة تعريف الكفر بذلك. اللهم إلا أن يقال : إن مثل هذا النوع من الكفر لا يعذب صاحبه ، لكن لا يلزم منه القدح في الاِجماع على أن كل كافر مخلد في النار ، وليس بعيداً التزام ذلك ، وأن يكون المراد من الكافر المخلد من كان كفره عن اعتقاد ، فيكون الاِجماع مخصوصاً بمن عدا الاَول.
إن قلت : إن لم يكن هذا الشخص من أهل النار ، يلزم أن يكون من أهل الجنة ، إذ لا واسطة بينهما في الآخرة على المذهب الحق ، فيلزم أن يخلد في الجنة من لا إيمان له أصلاً كما هو المفروض ، وهو مخالف لما انعقد عليه الاِجماع من أن غير المؤمن لا يدخل الجنة.