العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١١٨ - تقوية الفطرة وتضعيفها وإساءة استعمالها
الذي تهتف به الخلقة وتهدي إليه الفطرة الاِلَهية التي لا تبديل لها.
وذلك أنه ليس الدين إلا سنة الحياة والسبيل التي يجب على الاِنسان أن يسلكها حتى يسعد في حياته ، فلا غاية للانسان يتبعها إلا السعادة ، وقد هدى كل نوع من أنواع الخليقة إلى سعادته التي هي بغية حياته بفطرته ونوع خلقته ، وجهزه في وجوده بما يناسب غايته من التجهيز ، قال تعالى : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. طه ـ ٥٠ وقال : الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. الاَعلى ـ ٣.
فالاِنسان كسائر الاَنواع المخلوقة مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه وتهتف له بما ينفعه وما يضره في حياته ، قال تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها : الشمس ـ ٨ وهو مع ذلك مجهز بما يتم له به ما يجب له أن يقصده من العمل ، قال تعالى : ثم السبيل يسره : عبس ـ ٢٠.
فللانسان فطرة خاصة تهديه إلى سنة خاصة في الحياة وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة ، وهو قوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وليس الاِنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعاً واحداً لا يختلف ما ينفعه وما يضره بالنظر إلى هذه البنية المؤلفة من روح وبدن ، فما للاِنسان من جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة وشقاء واحد ، فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه اليها هاد واحد ثابت ، وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة ، ولذلك عقب قوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها ، بقوله : لا تبديل لخلق الله ، فلو اختلفت سعادة الاِنسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن سعادة الاَفراد المجتمعين ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الاَقطار التي تعيش فيها الاَمم المختلفة بمعنى أن يكون الاَساس الوحيد للسنة الاِجتماعية ، أعني الدين هو ما يقتضيه حكم المنطقة ، كان الاِنسان أنواعاً مختلفة باختلاف الاَقطار ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الاَزمنة بمعنى أن تكون الاَعصار والقرون هي الاَساس الوحيد للسنة الدينية ، اختلفت نوعية كل قرن وجيل مع من ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم ،