العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٤ - الفطرة حالة استعداد لا تعني الاِجبار وسلب الاِختيار
لا يقال : ليس تولي الشيَ ما تولاه عدلاً حيث لا يكون ذلك التولي عن رشد وبصيرة فإن السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة إليه وضر لجهله وسفاهته ، فالعدل والشفقة عليه منعه إياه.
لاَنا نقول : هذا التولي والتوجيه الذي كلامنا فيه أمر ذاتي لا يحكم عليه بالخير والشر بل هو قبلهما ، لاَن ما يختاره السفيه إنما يعد شراً بالقياس إليه لاَنه مناف لذاته بعد وجوده ، فلذاته اقتضاء أول متعلق بنقيض هذه السفاهة ، فذلك هو الذي أوجب أن يسمى ذلك شراً بالقياس إليه.
وأما الاِقتضاء الاَول الذي كلامنا فيه فلا يمكن وصفه بالشر ، لاَنه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بأنه شر ، بل هو الاِقتضاء الذي جعل الخير خيراً ، لاَن الخير لشيَ ليس إلا ما يقتضيه ذاته. والتولي الذي كلامنا فيه هو الاِستدعاء الذاتي الاَزلي والسؤال الوجودي الفطري الذي يسأله الذات المطيعة السامعة لقول كن ، وقوله ليس أمر قسر وقهر ، لاَن الله عز وجل غني عن العالمين ، فكأنه قال لربه إئذن لي أن أدخل في عدلك وهو الوجود ، فقال الله تعالى كن.
ـ تفسير الميزان ج ٢ ص ٣٤٦
لكن يمكن أن يقال إن الاِنسان بحسب خلقته على نور الفطرة هو نور إجمالي يقبل التفصيل ، وأما بالنسبة إلى المعارف الحقة والاَعمال الصالحة تفصيلاً فهو في ظلمة بعد لعدم تبين أمره. والنور والظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان ولا يمتنع اجتماعهما ، والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف والطاعات تفصيلاً ، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والمعاصي التفصيلية.
والاِتيان بالنور مفرداً وبالظلمات جمعاً في قوله تعالى : يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وقوله تعالى : يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، للاِشارة إلى أن الحق واحد لا اختلاف فيه كما أن الباطل متشتت مختلف لا وحدة فيه ، قال تعالى : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم .... الاَنعام ـ ١٥٣