العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١٨٤ - تجب المعرفة بالتفكير ولا يصح فيها التقليد
وقد اعترض على هذا بمنع الاِجماع ، كيف والمخالف معروف ، بل عورض بوقوع الاِجماع على خلافه ، وذلك لتقرير النبي ٩ وأصحابه العوام على إيمانهم وهم الاَكثرون في كل عصر ، مع عدم الاِستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع وصفاته ، مع أنهم كانوا لا يعلمونها ، وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك مع الحكم بإيمانهم.
وأجيب عن هذا : بأنهم كانوا يعلمون الاَدلة إجمالاً ، كدليل الاِعرابي حيث قال : البعرة تدل على البعير ، وأثر الاَقدام على المسير ، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير؟! فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم ، أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين ، ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين.
ومن ذلك : الاِجماع أنه لا يجوز تقليد غير المحق ، وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا ، وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والاِستدلال، وإذا صار مستدلاً امتنع كونه مقلداً ، فامتنع التقليد في المعارف الاِلَهية.
ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات ، فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي ، فإن اكتفى في الاِطلاع على ذلك بالظن وإن كان مخطئاً في نفس الاَمر لحط ذلك عنه ، فليجز مثله في مسائل الاَصول.
وأجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الاَصول يقتضي الكفر بخلافه في الفروع ، فساغ في الثانية مالم يسغ في الاَولى.
إحتج من أوجب التقليد في مسائل الاَصول بأن العلم بأمر الله غير ممكن ، لاَن المكلف به إن لم يكن عالماً به تعالى إمتنع أن يكون عالماً بأمره ، وحال امتناع كونه عالماً بأمره يمتنع كونه مأموراً من قبله ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق ، وإن كان عالماً به استحال أيضاً أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل.
والجواب عن ذلك على قواعد الاِمامية والمعتزلة ظاهر ، فإن وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي. نعم يلزم ذلك على قواعد الاَشاعرة ، إذ الوجوب عندهم سمعي.