العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١٨٣ - تجب المعرفة بالتفكير ولا يصح فيها التقليد
وجعلها عنقه كأن المقلد يجعل ما يعتقده من قول الغير من حق أو باطل قلادة في عنق من قلده.
ـ رسائل الشهيد الثاني ج ٢ ص ٥٦
إعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله تعالى بالنظر وأنها لا تحصل بالتقليد ، إلا من شذ منهم كعبدالله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية ، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الاَصولية ، كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع ، والنبوة ، والعدل وغيرها ، بل ذهب إلى وجوبه.
لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة في أنه عقلي أو سمعي ، فالاِمامية والمعتزلة على الاَول والاَشعرية على الثاني ، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك ، بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه.
من ذلك : أن لله تعالى على عبده نعماً ظاهرة وباطنة لا تحصى ، يعلم ذلك كل عاقل ، ويعلم أنها ليست منه ولا من مخلوق مثله. ويعلم أيضاً أنه إذا لم يعترف بإنعام ذلك المنعم ولم يذعن بكونه هو المنعم لا غيره ولم يسع في تحصيل مرضاته، ذمه العقلاء ، ورأوا سلب تلك النعم عنه حسناً ، وحينئذ فتحكم ضرورة العقل بوجوب شكر ذلك المنعم. ومن المعلوم أن شكره على وجه يليق بكمال ذاته يتوقف على معرفته ، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره ، لاحتمال كذب المخبر وخطأ الاِمارة ، فلابد من النظر المفيد للعلم.
وهذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح ، والاَشاعرة ينكرون ذلك ، لكنه كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل ، يدل أيضاً على كون الوجوب عقلياً.
واعترض أيضاً بأنه مبني على وجوب ما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به ، وفيه أيضاً منع للاَشاعرة. ومن ذلك أن الاَمة اجتمعت على وجوب المعرفة ، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم ، إذ لو أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه.