العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١٨٦ - تجب المعرفة بالتفكير ولا يصح فيها التقليد
على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمراً غيبياً وبحراً عميقاً ، كما أشار إليه علي ٧ بقوله : بحر عميق فلا تلجه. بل كان مراد النبي تفويض مثل ذلك إلى الله تعالى ، لاَن ذلك ليس من الاَصول التي يجب اعتقادها ، والبحث عنها مفصلة.
وهاهنا جواب آخر عنهما معاً ، وهو أن النهي في الآية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا عن متعدد ، بخلاف النظر فإنه يكون من واحد ، فهو نصب الدليل على غير المدعى.
وعن الثالث : بالمنع من صحة نسبته إلى النبي ٩ فإن بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري ، فإنه روى أن عمر بن عبدالله المعتزلي قال : إن بين الكفر والاِيمان منزلة بين منزلتين ، فقالت عجوز ، قال الله تعالى : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ، فلم يجعل من عباده إلا الكافر والمؤمن ، فسمع سفيان كلامها ، فقال : عليكم بدين العجائز.
على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه وحكمه والاِنقياد له في أمره ونهيه.
واحتج من جوز التقليد : بأنه لو وجب النظر في المعارف الاِلَهية لوجد من الصحابة ، إذ هم أولى به من غيرهم ، ولم يوجد وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية ، فحيث لم ينقل لم يقع ، فلم يجب.
وأجيب : بالتزام كونهم أولى به لكنهم نظروا ، وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى ، وكون الواحد منا أفضل منهم ، وهو باطل إجماعاً ، وإذا كانوا عالمين وليس بالضرورة فهو بالنظر والاِستدلال. وأما إنه لم ينقل النظر والمناظرة ، فلاِتفاقهم على العقائد الحقة، لوضوح الاَمر عندهم ، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى ، فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر ، بخلاف الاَخلاف بعدهم فإنهم لما كثرت شبه الضالين ، واختلفت أنظار طالبي اليقين لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق ، احتاجوا إلى النظر والمناظرة ، ليدفعوا بذلك شبه المضلين ويقفوا على اليقين.