تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٢ - ٢٦١٣ ـ سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج المديني الزاهد
نبيه ٦. فرمى بك في كل نعمة أنعمها [١] عليك في كل حجة يحتج بها عليك ، الغرض الأقصى. ابتلي في ذلك بشكرك وأبدى فيه فضله عليك ، وقد قال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)[٢] أنظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله؟ فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها ، وعن حججه عليك كيف قضيتها ، ولا تحسبن الله راضيا منك بالتعزير [٣] ، ولا نائلا [٤] منك التقصير ، هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه قال : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ)[٥] الآية. إنك تقول : جذل ، ماهر ، عالم ؛ قد جادلت الناس فجدلتهم ، وخاصمتهم فخصمتهم ، إدلالا [٦] منك بفهمك واقتدارا منك برأيك ، فأين تذهب على قول الله عزوجل : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)[٧] أعلم ان أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت ، إن أنست الظالم وسهلت له طريق الغنى بدنوك ، حين أدنيت ، وإجابتك حين دعيت ، فما أخلقك أن تبوء [٨] باسمك غدا مع الجرمة ، وأن تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك ، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولا يرد باطلا حين أدناك ، وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك ، جعلوك قطبا تدور رحى باطلهم ، وجسرا [٩] يعبرون بك إلى بلائهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، وداعيا إلى غيّهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ، ولا أقوى أعوانهم لهم ، إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ، واختلاف الخاصة والعامة إليهم ، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما حرفوا عليك ، وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسئول ، وأنظر كيف
[١] بالأصل : أنعمتها ، والمثبت عن الحلية وم.
[٢] سورة إبراهيم ، الآية : ٧.
[٣] الحلية : بالتغرير.
[٤] الحلية : قابلا.
[٥] سورة آل عمران ، الآية : ١٨٧ وبالأصل : يكتمونه.
[٦] بالأصل : «اذلالا» والمثبت عن الحلية.
[٧] سورة النساء ، الآية : ١٠٩.
[٨] بالأصل وم : ينوه ، والمثبت عن الحلية.
[٩] بالأصل : وجسر.