إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٣٩ - خلقة الخفاش
[١٥٣]
و من خطبة له عليه السلام
يذكر فيها بديع خلقة الخفّاش
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي اِنْحَسَرَتِ[١] اَلْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَ رَدَعَتْ عَظَمَتُهُ اَلْعُقُولَ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً[٢] إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ!
هُوَ اَللَّهُ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ، أَحَقُّ وَ أَبْيَنُ مِمَّا تَرَى اَلْعُيُونُ، لَمْ تَبْلُغْهُ اَلْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ[٣] فَيَكُونَ مُشَبَّهاً، وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ اَلْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً، خَلَقَ اَلْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ، وَ لاَ مَشورَةِ[٤] مُشِيرٍ، وَ لاَ مَعُونَةِ[٥] مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَ لَمْ يُدَافِعْ، وَ اِنْقَادَ وَ لَمْ يُنَازِعْ.
وَ مِنْ لَطَائِفِ[٦] صَنْعَتِهِ، وَ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ[٧]اَلْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ اَلْخَفَافِيشِ[٨] اَلَّتِي يَقْبِضُهَا اَلضِّيَاءُ اَلْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ. وَ يَبْسُطُهَا اَلظَّلاَمُ اَلْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ. وَ كَيْفَ عَشِيَتْ[٩] أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ اَلشَّمْسِ
[١] انْحَسَرَتِ: حسر حسوراً من باب قعد: كلّ لطول مدى و نحوه، و حسرته أنا، يتعدّي و لا يتعدّي.
[٢] مَسَاغاً: ساغ الشّراب سوغاً: سهل مدخله و المساغ المسلك.
[٣] الحَدَّ: المنع و الحاجز بين الشّيئين و نهاية الشّيء و طرفه، و في عرف المنطقيين التّعريف بالذّاتي. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٤] المَشُورَةِ: مفعلة من أشار إليه بكذا، أي: أمره به، و في بعض النسخ بضمّ الشّين بمعنى الشّورى. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٥] المَعُونَةِ: اسم من أعانه و عوّنه.
[٦] اللَّطَائِف: جمع لطيفة، و هي ما صغر و دقّ.
[٧] الغَامِض: خلاف الواضح، و كلّ شيء خفي مأخذه.
[٨] الخَفَّاش: وزان رمّان طاير معروف، جمعه خفافيش، مأخوذ من الخفش، و هو ضعف في البصر خلقة أو لعلَّة، و الرّجل أخفش، و هو الذي يبصر باللَّيل لا بالنّهار أو في يوم غيم، لا في يوم صحو.
[٩] العَشَا: بالفتح و القصر: سوء البصر بالنّهار أو باللَّيل و النّهار أو العمى.