إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٨٩ - ١٥٥ و من خطبة له عليه السلام الحثّ على التّقوى
[١٥٥]
و من خطبة له عليه السلام
الحثّ على التّقوى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ اَلْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَ سَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَ دَلِيلاً عَلَى آلاَئِهِ وَ عَظَمَتِهِ. عِبَادَ اَللَّهِ! إِنَّ اَلدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ، لاَ يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَ لاَ يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ. آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ. مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلاَمُهُ. فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حدود اَلزَّاجِرِ[١] بِشَوْلِهِ[٢]: فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي اَلظُّلُمَاتِ، وَ اِرْتَبَكَ فِي اَلْهَلَكَاتِ، وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ. فَالْجَنَّةُ غَايَةُ اَلسَّابِقِينَ، وَ اَلنَّارُ غَايَةُ اَلْمُفَرِّطِينَ.
اِعْلَمُوا، عِبَادَ اَللَّهِ، أَنَّ اَلتَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ، وَ اَلْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ، لاَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَ لاَ يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ. أَلَا وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ[٣] اَلْخَطَايَا، وَ بِالْيَقِينِ تُدْرَكُ اَلْغَايَةُ اَلْقُصْوَى.
عِبَادَ اَللَّهِ! اَللَّهَ اَللَّهَ فِي أَعَزِّ اَلْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وَ أَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ: فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ اَلْحَقِّ وَ أَنَارَ طُرُقَهُ. فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ! فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ اَلْفَنَاءِ لِأَيَّامِ اَلْبَقَاءِ. قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى اَلزَّادِ، وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَ حُثِثْتُمْ عَلَى
[١] الزَّاجِرِ: زجر البعير من باب نصر: ساقه.
[٢] شَوْلِ: جمع شائلة، على غير قياس، و هي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجفّ لبنها، و جمع الجمع أشوال، و أمّا الشّائل بغير هاء فهي النّاقة تشول و ترفع ذنبها للقاح، و الجمع شوّل، مثل راكع و ركَّع.
[٣] الحُمَة: بضمّ الحاء و فتح الميم: إبرة العقرب، و هي محلّ سمّها، و ربّما يطلق على نفس السمّ، و يروى حمّة بالتّشديد من حمة الحرّ و هو معظمة