إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٩١ - عظة الناس
اَلْهُدَى، وَ إِنِ اِجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ عَلَى اَلْفُرْقَةِ، وَ اِفْتَرَقُوا عَلَى اَلْجَمَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكِتَابِ وَ لَيْسَ اَلْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ اِسْمُهُ، وَ لاَ يَعْرِفُونَ إِلاَّ خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ[١]، وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا[٢]بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ، وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اَللَّهِ فِرْيَةً، وَ جَعَلُوا فِي اَلْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ اَلسَّيِّئَةِ.
وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ اَلْمَوْعُودُ اَلَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ اَلْمَعْذِرَةُ، وَ تُرْفَعُ عَنْهُ اَلتَّوْبَةُ، وَ تَحُلُّ مَعَهُ اَلْقَارِعَةُ[٣] وَ اَلنِّقْمَةُ.
أَيُّهَا اَلنَّاسُ! إِنَّهُ مَنِ اِسْتَنْصَحَ اَللَّهَ وُفِّقَ، وَ مَنِ اِتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ (لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ)[الأسراء -٩] فَإِنَّ جَارَ اَللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ، وَ إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اَللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ اَلَّذِينَ[٤] يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَ سَلاَمَةَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ. فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ اَلْحَقِّ نِفَارَ اَلصَّحِيحِ مِنَ اَلْأَجْرَبِ، وَ اَلْبَارِئِ مِنْ ذِي اَلسَّقَمِ. وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا اَلرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي تَرَكَهُ، وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ اَلْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَقَضَهُ، وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ اَلْعِلْمِ، وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ. هُمُ اَلَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لاَ يُخَالِفُونَ اَلدِّينَ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ، وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ.
[١] زَبْرَهُ: زبرت الكتاب زبراً: كتبته، فهو زبور فعول بمعنى مفعول كرسول، و الجمع زبر، قال سبحانه: (وَ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي اَلزُّبُرِ) [القمر - ٥٢]، و الزّبر بالكسر: الكتاب، و جمعه زبور مثل قدر و قدور.
[٢] مَثَّلُوا: يروى بالتخفيف و التشديد معاً، أي: نكلوا.
[٣] الْقَارِعَةُ: الدّاهية تفجؤ الإنسان، و قال الشّارح المعتزلي: المصيبة تقرع، أي: تلقى بشدّة و قوّة.
[٤] فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ: قوله (فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ)، لفظة (رفعة)، في بعض النّسخ بضمّ الرّاء و في أكثرها بالفتح، و ضبط القاموس بالكسر، قال: رفع ككرم رفاعة، صار رفيع الصّوت، و رفعة بالكسر: شرف و علا قدره، فهو رفيع. [القاموس/ (رفع) /منهاج البراعة - الخوئي]