الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ٢٠٥ - لاحقة
ذانك الرجلان اللذان اقتحما الأخطار، و بذلا أنفسهما في سبيل رفع نير الذل و الصغار، و جاهدا في حق جهاده إعلاء لكلمة الدين، و رفعا لمنار الإسلام و المسلمين، فكان الحلبيون يعدون قدومهما عليهم نعمة عميمة، و منة من اللّه عظيمة، فلما حقق اللّه آمالهم بتشريفهما، و متع أنظارهم بنور جمالهما هاجت في صدورهم عوامل الفرح و المسرة إلى درجة لم يسبق لها نظير في التاريخ؛ بحيث أنساهم فرط جذلهم و ابتهاجهم بتشريفهما جميع ما هم عليه من الشدة؛ فأصبح كل واحد من الحلبيين المخلصين يود أن يظهر عواطف محبته إلى ذينك الرجلين العظيمين، و لو بتقديم شطر عمره إليهما، لو كان يجد إلى ذلك سبيل.
و الحق يقال إننا لم نر و لم نسمع قط بأن سكان مدينة حلب على اختلاف عناصرهم و تباين أغراضهم قد اتفقت كلمتهم، و تضافرت قلوبهم على محبة إنسان و إعظامه و احترامه، كاتفاقهم في ذلك على محبة هذين الذاتين، و مدحهما و إعظامهما، و الفرح بقدومهما.
و من غرائب الصدف أن الغيث كان قد أمسك عن حلب مدة طويلة حتى بدأت أسعار الأقوات بالصعود، و كاد اليأس و القنوط يستولي على النفوس، فلما كان يوم الأربعاء- و هو اليوم الذي شرف فيه حضرة المشار إليهما- أصبح الجو متلبدا بالغيوم يسح طلا مرة، و وابلا أخرى، إلى أن كان مساء ذلك اليوم انهمرت السحب بالأمطار الغزيرة التي لم يسبق لها نظير في هذه السنة، فنال الناس بذلك اليوم الأغر مسرتين عظيمتين؛ مسرة من تهاطل المطر، و مسرة من قدوم ذينك المحبوبين العظيمين، و اعتقدوا بأن اللّه سبحانه و تعالى إنما أنعم عليهم بهذا الغيث المدرار إيذانا ببركة هذين المخلصين، و تنويها بيمن نقيبتهما، و صار كثير من الناس يتمثلون بقول الشاعر: