بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٣٠٣ - فصل في عادته
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ قال بعضهم و ان كانت الآية في سكر الخمر ففي قوله تعالى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ تنبيه على سكر الدنيا فكم من مصل لم يشرب الخمر و هو لا يعلم ما يقول و لا يدري كم صلى من استغراق همه بالوساوس الدنيوية و ربما كانت في معصية فيكون الوبال فيها أعظم. و مثل من انطوت صلاته على هذه القاذورات مثل من اتخذ صناديق المصاحف وعاء للخمر و النجاسات. و روي عنه ٦ لا ينظر اللّه الى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه و روي عن الحسن البصرى كل صلاة لم يحضر فيها القلب فهى الى العقوبة أسرع و قد أتى على هذا المعنى الفقيه الفاضل صفي الدين اسماعيل بن أبى بكر المقري في قصيدته الواعظة المشهورة فقال
ذنوبك في الطاعات و هى كثيرة* * * اذا عددت تكفيك عن كل زلة
تصلى صلاة يعلم اللّه أنها* * * بفعلك هذا طاعة كالخطيئة
و قد مثلت الصلاة في صورة حيوانية روحها النية و الاخلاص و حضور القلب و يديها الاعمال كالقيام و القعود. و رأسها الركوع و السجود و الاركان التي لا بد منها. و جوارحها و وجوه تحسينها يجرى مجرى الابعاض و السنن و مثلوا المصلى في توجهه بها الى ربه كمثل من يهدي جارية الى ملك معظم فان أداها بلا نية فهو كمن أهدى الجارية ميتة و ان أداها فاقدة الاركان فهى كمن أداها مقطوعة الاعضاء و ان أداها فاقدة الابعاض و الآداب فهى كمن أداها مشوهة فيكون المهدى في جميع ذلك مستحقا للعقوبة لا للمثوبة لان هديته لمن يعظم قدره ممن هو بهذه الصفات المذمومة فيه نوع استهزاء و تهاون بقدر المهدى إليه. و روى البيهقي و غيره عن عبادة بن الصامت قال قال رسول اللّه ٦ من توضأ فابلغ الوضوء ثم قام الى الصلاة فاتم ركوعها و سجودها و القراءة فيها قالت حفظك اللّه كما حفظتنى ثم يصعد بها الى السماء و لها ضوء و نور فتفتح أبواب السماء حتى ينتهى بها الى اللّه تعالى فتشفع لصاحبها و اذا لم يتم ركوعها و لا سجودها و لا القراءة قالت ضيعك اللّه كما ضيعتنى ثم يصعد بها الى السماء و عليها ظلمة فتغلق دونها أبواب السماء ثم تلف كما يلف الثوب الخلق و يضرب أو خائفون قاله الحسن و قتادة أو متواضعون قاله مقاتل أو ما مر من الأقوال (و ان كانت الآية في شرب الخمر) على ما قاله الأكثرون أو في النوم على ما قاله الضحاك (لا ينظر اللّه) أي لا يقبل (لا للمثوبة) بفتح الميم و ضم المثلثة أي الثواب (لمن يعظم) بفتح الياء و سكون المهملة و ضم المعجمة (المهدى إليه)