بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٣١٢ - فصل في الموسوسين و استحكام إبليس عليهم
اذا لم يعلموها من غيرهم و عرفوا يسيره و تيسيره و انه كان يؤاكل الصبيان و يأكل طعام عامة المسلمين و أهل الكتاب و الذميين و يتوضأ في آنيتهم من غير بحث و يغتسل هو و المرأة من نسائه من الجنابة في اناء واحد دفعة واحدة تختلف أيديهم فيه و انه صلى مرة و هو حامل امامة بنت أبى العاص بن الربيع على ظهره اذا قام حملها و اذا سجد وضعها فانه كان يتوضأ باسار الدواب و يصغى الاناء للهرة حتى تشرب منه و توضأ هو و أصحابه من مزادة مشتركة و انه لم ينقل انه تردد في التكبير و لا تلفظ بقول أصلى و ما بعده و قد أوجب اللّه علينا اتباعه في الأفعال و الأقوال على كل حال فقال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ و قال تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ و قال تعالى وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ و أخبرنا تعالى ان الشيطان يقعد لنا في طرق الطاعات كما سيوصله لنا في المخالفات فقال تعالى مخبرا عنه لاقعدن لهم صراطك المستقيم منصوب باضمار أسألك (كان يغتسل هو و المرأة من نسائه الى آخره) أخرجه بهذا اللفظ أحمد و البخاري عن أنس (و انه صلى مرة و هو حامل امامة الى آخره) أخرجه الشيخان و غير هما قال العلماء فيه دليل لتغليب الاصل على الظاهر كما هو أحد قولى الشافعى و ذلك لان الغالب نجاسة ثوب الصبي و غيره من بدنه و فيه جواز ادخال الصبي غير المميز المسجد اذا أمن منه التنجيس و فيه عدم بطلان الصلاة بالعمل القليل و فيه اللطف بالصغار و الرفق بهم (و يصغي) أى يميل (وضوء) بفتح الواو (و توضأ هو و أصحابه) في حديث ذات المزادتين (من مزادة) بفتح الميم ثم زاى هي القربة العظيمة سميت بذلك لانه يجعل في رأسها زيادة (قُلْ) يا محمد لليهود و النصارى الذين زعموا انهم أبناء اللّه و أحباؤه أو لقريش الذين زعموا انهم انما يعبدون الاصنام حبا للّه تعالى و تقربا إليه (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) فعلامة محبته اتباعي (فَاتَّبِعُونِي) أي اتبعوا شريعتى و سنتي (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فاني رسوله إليكم و حجته عليكم (وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بين ذلك كيفية محبته و انها ليست ميل القلب الذي تنزه عنه تعالي و انما المراد ثناؤه عليهم و ثوابه لهم و عفوه عنهم (وَ أَنَ) بكسر الالف و تشديد النون على الاستئناف للكسائي و بفتحها لغيره ما عدا ابن عامر فانه يقرأ بكسر الهمزة و تخفيف النون و على قراءة الاكثر قال الفراء و اتل عليكم ان (هذا) يعنى دين الاسلام (صِراطِي) أى طريقي و ديني (مُسْتَقِيماً) أي مستويا لا عوج فيه (فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) أى الطرق المختلفة التي عدا هذه الطريق كسائر ملل الكفر و قيل أراد الاهواء و البدع (فَتَفَرَّقَ) أى فتتفرق أي تميل (بِكُمْ) و تتشتت (عَنْ سَبِيلِهِ) أي طريقه و دينه الذي ارتضى و به أوصى (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ) أي لا جلسن لبني آدم (صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) أى دينك القائم