بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٧٩ - فصل في علمه و حلمه و احتماله و عفوه و صبره
الانقياد لها و التسليم فقال تعالى فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً الى علمه ٦ بكتب اللّه القديمة و حكم الحكماء و سير الامم الخالية و فنون العلم الثابتة كالعبارة و الطب و الحساب و الفرائض و النسب و غير ذلك مما قدمنا الاشارة إليه في باب المعجزات* و أما الحلم و الاحتمال و العفو مع القدرة و الصبر على ما يكره و معانيها متقاربة و هى مما يلقاها ٦ عن أمر ربه بالقبول و الاقبال و بلغ فيها أعلى درجات الكمال فقال تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. و روي ان النبي ٦ لما نزلت عليه سأل جبريل عن تأويلها فقال له (الانقياد) بالرفع (فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية) سبب نزولها ما أخرجه الشيخان و غيرهما عن الزبير انه خاصم رجلا من الانصار قد شهد بدرا الى رسول اللّه ٦ في سراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول اللّه ٦ للزبير يا زبير اسق يا زبير ثم أرسل الى جارك فغضب الانصاري فقال يا رسول اللّه أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول اللّه ٦ ثم قال اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر الحديث و هذا الرجل هو حاطب بن أبي بلتعة و هو لخمي أو مذحجي قولان و لكن كان له حلف في قريش و في الانصار فمن ثم نسب في هذا الحديث الى الانصار و قوله تعالى فَلا أي ليس الامر كما زعموا انهم مؤمنون بك ثم لا يرضون بحكمك و قوله وَ رَبِّكَ استئناف قسم قال البغوى و يجوز أن تكون لا صلة كقوله لا أُقْسِمُ (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أى اختلف و اختلط من أمرهم و التبس حكمه عليهم و سمى الشجر لالتفاف اغصانه بعضها الى بعض (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً) من حكمك أى شكا قاله مجاهد أو ضيقا قاله غيره أو اثما بانكارهم قضاءك قاله الضحاك (وَ يُسَلِّمُوا) أى ينقادوا لحكمك (تَسْلِيماً) أي انقيادا (و حكم) جمع حكمة (و الحلم) قال في الشفاء الحلم حالة توقر و ثبات عند الاسباب المحركات (و الاحتمال) قال هو حبس النفس عند الآلام و المؤذيات و مثله الصبر (و العفو) قال هو ترك المؤاخذات (و معانيها متقاربة) لكن يظهر أن الاحتمال أبلغ من الحلم لان من حبس نفسه عند الآلام و المؤذيات سهل عليه التوقر و الثبات عند الاسباب المحركات اذ هذا حبس النفس أيضا و لا شك ان العفو أبلغ منهما لان الحليم و المحتمل ربما عاقب بخلاف العفو (خُذِ الْعَفْوَ) أي من أخلاق الناس و أعمالهم من غير تحسن و ذلك مثل قبول العذر و العفو و المساهلة و ترك البحث عن ما لا يعنى قاله ابن الزبير و مجاهد او معناه خذ ما عفي لك من الاموال و هو الفضل عن العيال ثم نسخ بفرض الزكاة قاله ابن عباس و السدى و الضحاك و الكلبي (وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ) أي بالمعروف و هو كل ما يعرفه الشرع أو لا إله الا اللّه قولان (وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) كابي جهل و أصحابه نسختها آية القتال (روي ان النبي ٦ الى آخره) هكذا هو في تفسير البغوى و الشفاء