أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٨٩٦ - محمود قابادو
هذا و لمّا كان العدل نظاما لعقد العمران* و عهدا لخلافة الإنسان* وجب أن يتحرّى في تحصين سياجه عن تطرق الظنن* و لرصين معقله بتظاهر المنن* و وزع نوازع الأهواء عن استباحته* و الأخذ بحجز الآراء إلى حماية ساحته* و لغلبة سلطان الهوى بما له من الأصالة* على وزعة الدين و المروءة و الحياء المعبّر عن مجموعها بالعدالة* تعسر ان يستعصم غير المعصوم عن داعية هواه* إلّا بالانقياد لسواه* فالرئيس مفتقر في شدّ ازره* إلى الإشراك في أمره* و المرؤوس مكلّف بانشراح صدره* للإذعان في المنشط و المكره* و من ثمّ كانت «يد اللّه مع الجماعة» [٧]* و عصم الإجماع إلى قيام الساعة* و لم تزل الشورى في كلّ ملمّة* ديدن السلف الصالح من قادة هاته الأمّة* حتّى اثنى عليهم بها الكتاب المجيد* إشارة إلى أنها من سنّتهم التي تنكّبها ضلال بعيد* و مثل في الإنجيل ما لهم من المؤازرة* بزرع اخرج شطأه [٨] فآزره.
[٤٧] و من سبر بمسبار الروية أغوار السير* و جسّ بأنامل الألمعيّة نوابض البدو و الحضر* و استشرف على استشراء الممالك الأوروباوية و تغطرفها* و استئسادها و تصلّفها بما فوفته [٩] من ابراد [١٠] الحضارة* و ما أورفته من ظلال العمارة* لا تخامره ريبة في أنها نتائج متناسقة الكعوب [١١] و مغارس متضامّة الجنوب* سنحها [١٢] تضافر العزائم و الألباب و انعطاف بنات البب [١٣] على اطراح الاغراض الشخصية* للمصالح الكلّية.
[٧] حديث نبوي شريف.
[٨] شطا: ج. اشطاء أوراق الزرع- و الشطا من الشجر: ما خرج حول أصوله من النبات.
و هذا ناظر إلى الآية ٢٩ من سورة الفتح.
[٩] ثوب مفوف: فيه خطوط بيض على الطول.
[١٠] زبراد: ج. برد ثوب مخطط.
[١١] كعوب: ج. كعب: عقدة القصب بين الانبوبتين.
[١٢] سنح على: وطد على.
[١٣] البب: الهيئة الشجية، الطريقة.