صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٨٥ - بين المبدأ و الملك
و لسيد الأنبياء صلّى اللّه عليه و آله و سلم، فيما تحملته عنه الاسانيد الصحيحة من كلماته القصار، بلاغته التي تتقاصر عن شأوها ملكات العظماء من بلغاء الناس. ثم هي في فيضها العربي الرائع، أعجوبة اللغة في سعتها و روعتها، و ان من أروع وجوه الامتياز في البلاغة النبوية اشعاعها الخاص الى المعاني الكثيرة باللفظ القليل، فتارة بالتصريح و أخرى بالتلويح. و من هنا كان اتصالها الكثير بالنبوءات الصادقة التي لا يفارقها الاعجاز.
و كان هذا النوع من البلاغة-بذاته-دليل صحة الحديث النبوي اذا كان في صحته ما يقال.
و من ذلك، قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في سبيل النص على امامة سبطيه الكريمين الحسن و الحسين عليهما السلام: «انهما امامان ان قاما و ان قعدا» -و لقد تتدبر ظاهر هذا الحديث فلا تفهم منه الا التصريح بامامة السيدين الحسنين، ثم تتدبره من وراء هذا الظاهر، فتراه يلمح بنبوءته الصادقة الى سيرة كل من هذين الامامين، و يدل على أن أحدهما سيقوم و أن الآخر سيقعد، أو على أن أحدهما أو كلا منهما سيكون مرة قائما، و اخرى قاعدا، ثم هو في كل من الحالين امام لا يجوز الخلاف عليه على اختلاف حاليه.
*** و لم يكن أحد في الاسلام أكثر استيعابا لنبوءات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيما أثر عنه، من ابنه و خليفته الحسن بن علي، فعلم ما عناه جده فيما أثبته له أو رفعه عنه، في هذين الحديثين، و في أحاديث كثيرة أخرى.
و انه لأولى من يتمسك بنبوءاته، ليتخذ منها مناهج حياته و مماته.
أو ليس هو ابن ذلك النبي (ص) و وارث شمائله، و وصيّه على أمته؟فليكن ما يلقاه من قومه، شبيه ما لقيه النبي من قومه، -في دعوته-، و ليقل اليوم مثل ما كان يقوله النبي يوم ذاك:
«اللّهمّ اهد قومي فانهم لا يعلمون» .
و لهذه النبوّة من تلكم النبوة، خاصّتها الكريمة، التي غلب بها الحسن