صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٩٢ - بين المبدأ و الملك
و كان من لوازم هذا الالتواء-في جانب الحسن-أن تتلاشى في نفسه، الغرائز المثلى التي غرستها في كيانه يد النبوة، و غذتها في روحه أثداء الوحي، و بسطتها في وجدانه مهابط التنزيل.
و أنى لتلك الغرائز ان تتلاشى في نفسه، و هي منه كبعض ذاتياته التي لا تنفصل عنه؟. و انى له أن يعمل للدنيا أو «يحزم و ينصب لها» و هو ابن رسول اللّه و ربيب حجره، و تلميذ مدرسته؟.
و ما لرسول اللّه و للدنيا، لو لا انها ميدان رسالته.
فليكن الحسن بحكم طبيعته المملاة عليه من تربيته و عقيدته و محيطه، مرآة جده، و لكن في ميدان امامته، و تلك هي القدوة الحسنة و الاسوة الطيبة، التي لا يمسها ضعف، و لا تتهم بجبن، و لا يهمزها همزة بنقص-مرآته في زهده بالدنيا، كما هو مرآته في كرائم صفاته، لانه كان «أشبههم به خلقا و خلقا» ، و مرآته حتى في سياسته و ادارته.
فأين هي مآخذ الضعف على الحسن فيما يتسرع إليه المنتقدون؟.
و نسي الخائضون في نقد سياسة الحسن عليه السلام، حراجة موقفه من أنصاره، و نسوا ان شذوذ هؤلاء الانصار انما كان وليد الحوادث الزمنية التي لا يد للحسن فيها، بحكم تطور الحياة العامة منذ الجيل الثالث بعد عهد النبوة، و انطلاق الناس-أو اكثرهم-من عقال التقوى، و استكانتهم للمطامع و للملذات. فالجناية اذا جناية ظرفه، و الخيانة خيانة جيله الذي قدر له أن يعيش معه، و لا تثريب على الحسن من هذا أو ذاك.
و نسوا-و هم يتحاملون على سياسة الحسن عليه السلام-ان العاقبة لمثل هذا الموقف و مثل هذا الظرف، و مثل هذا المجتمع الذي جبل على الرياء و الباطل، مع الرجل الذي لا يحلم بغير الاخلاص و الحق، لا تحتمل في الامكان أحسن مما كان.
لذلك نرى أن التدابير الخاصة التي اتخذها الامام الحسن في خطوات