صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ٥٦ - البيعة
إليه المركز الدينيّ الاعلى، و هو من عرفت مقامه و سموّه و مميزاته. و اذا تعذر علينا أن نفهم الامامة و الكفاءة للخلافة، من هذه القابليات الممتازة و المناقب الفضلى، فأي علامة اخرى تنوب عنها أو تكفينا فهمها.
*** خرج عليه السلام الى الناس، غير ناظر الى ما يكون من أمرهم معه، و لكنه وقف على منبر أبيه، ليؤبن أباه بعد الفاجعة الكبرى في مقتله صلوات اللّه و سلامه عليه.
فقال: «لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون، و لا يدركه الآخرون. لقد كان يجاهد مع رسول اللّه فيقيه بنفسه. و لقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه. و لقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران.
و رفع بها عيسى بن مريم، و انزل القرآن. و ما خلّف صفراء و لا بيضاء الاّ سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لاهله [١] » .
و تأبين الحسن هذا-بأسلوبه الخطابي-فريد لا عهد لنا بمثله، لانه -كما ترى-لم يعرض الى ذكر المزايا المعروفة في الراحل العظيم، كما هي العادة المتبعة في أمثال هذه المواقف، و لا سيما في تأبين الرجال الذين احتوشوا الفضائل، فكان لهم أفضل درجاتها، و مرنوا على المكارم فاذا هم في القمة من ذرواتها، علما و حلما و فصاحة و شجاعة و سماحة و نسبا و حسبا و نبلا و وفاء و اباء، كعلي الذي حيّر المادحين مدح علاه. فلما ذا يعزف الحسن عليه السلام، فيما يؤبنه به عن الطريقة المألوفة في تأبين العظماء؟. ترى أ كانت الصدمة القوية في مصيبته به، هي التي سدّت عليه -و هو الخطيب المصقع و ابن أخطب العرب-أبواب القول فيما ينبغي أن يقول، أم أنه كان قد عمد الى هذا الاسلوب قاصدا، فكان في اختيار
[١] اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩٠) و ابن الاثير (ج ٣ ص ١٦) و مقاتل الطالبيين.