صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٧٢ - موقف الحيرة
و ذكر جده و قد أخذه معه الى منبره، فهو يقبل على الناس مرّة، و عليه مرة، و يقول: «ان ابني هذا سيد و لعل اللّه ان يصلح به بين فئتين من المسلمين [١] » .
و كانت مناظر وجدان مؤثرة في الحسّ، و ذكريات تاريخ ملذوذة في النفس بدلت من وحشة اللحظة، و خففت من عرامة الخطب، و كانت كل ذكرى تثير ذكريات، و كل منظر يمرّ يوقظ مناظر أخريات.
و انه ليطمئن الى قول جده صلّى اللّه عليه و آله، كما يطمئن الى محكم التنزيل. و ها هو ذا جده العظيم يقول له، و كأن صوته الشريف يرنّ بعذوبته المحببة في اذنه، و يقول لامه الطاهرة البتول، و يقول على منبره، و يقول بين أصحابه، و يقول ما لا يحصى كثرة: «انّ ابني هذا سيد و سيصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين» .
و يرجع الحسن الى نفسه فيقول:
ترى، هل أراد رسول اللّه (ص) ان اصالح اليوم أهل الشام؟.
و هل أهل الشام البغاة، فئة مسلمة يصح أن يعنيها هذا الحديث؟.
و هل هذه هي الفتنة التي أرادني رسول اللّه (ص) لاصلاحها؟.
أو قد فقدنا الكفاية لقمعها من طريق القوة؟.
كل ذلك كان يراود الحسن، فيثير في نفسه تفاعلا عنيفا، ينذر بانقلاب تاريخ، و كل هذه الاسئلة كانت تنتظر الجواب من الحسن استعدادا للمصير الاخير.
و بعثت هذه الذكريات بما فيها التوجيه النبويّ الذي استشعر منه الحسن حماية جده له في أحرج ساعاته، فكرة الانقاذ للموقف، فيما لو اتيح لهذه الاسئلة أجوبتها المطابقة لمقتضى الحال.
-نعم ان رسول اللّه (ص) قال ذلك يقينا دون شك.
[١] البخاري و مسلم و الاصابة (ج ٢ ص ١٢) .