صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٥١ - بداية النهاية
و بلغت المبالغات في تهويل هذه الاخبار بين حلقات هذا الجيش رقمها القياسي. و في هذا الجيش كثرة ساحقة من رعاع أهل السواد و من اخلاط الناس و مختلف الاحزاب. و فيه-الى هؤلاء و اولئك-البهاليل من الهاشميين الميامين، و الكتل المخلصة من ربيعة و همدان.
و كادت الرجة العاتية أن تجتاح المعسكر، لو لا هذه الاطواد الراسية في مختلف أكنافه، الاطواد التي كانت تتكسر على صخرتها شتى المحاولات التي كان يتسرع إليها المتوثبون الى الفتنة.
اما الحسن نفسه، فقد قابل هذه المزعجات بالامل الذي يعمر القلوب القوية و النفوس الخالدة، و كان يرى ان الاخفاق في ظرف خاص أو مكان خاص، لا يعني الحرمان من الازدهار و الاثمار اخيرا في ظرف لا يجب ان يكون هو-بشخصه-صاحبه، و لكن «بمبدئه» ، و ثمة نقطة التركز في أهداف الحسن-مخفقا او منتصرا-و ثمة مركز التجلي «الرباني» الذي تنشق عنه الانسانية في شخصية هذا الامام الروحي، بأفضل ما قدر لها من مراتب الانسياح في ذات اللّه، و الفناء في سبيل اللّه.
ثم انه لم يزل على نشاطه الموفور، في تدوير دولاب حركته و جهاده و جيوشه، رغم ما كان يحسه من وميض الفتنة الذي أخذ يستعر تحت رماد الاحداث المتعاقبة بين يديه. و لم يسمع منه كلمة واحدة تتجاوز به الى جحمة غضب، أو تدل بحدتها على ما كان يشيع في نفسه من بلاغة الخطب، و روعة التشاؤم، و النقمة على الوضع، اللهم الاّ كلماته التوجيهية التي كان يقصد بها تدريب جماهيره على النظام، و تعليمهم الالتزام بقواعد «الجهاد» في الاسلام.
و دار بوجهه الى كوفته، كأنه يتذكر شيئا، أو يستعرض اشياء عقت الكوفة بها أياديه عندها و أيادي أبيه من قبل. و كان ابوه هو باعث مجدها، و مؤسس كيانها المستطيل الشامخ، الذي باتت تتمتع به كأعظم حاضرة في العالم الاسلامي، تلتقي عندها حضاراته، و تثوب إليها شعوبه من مختلف