صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٩١ - بين المبدأ و الملك
و على ضوء هذا التقريب، نفهم معنى قول الامام الحسن: «و لو كنت بالحزم في أمر الدنيا و للدنيا أعمل و أنصب ما كان معاوية بأبأس [١] مني و أشد شكيمة [٢] . و لكان رأيي غير ما رأيتم» .
أجل، و هذا هو المظنون، لو أراد الحسن الدنيا.
و لكن الشيء المعلوم، هو أن الامام الحسن بن علي عليه و على أبيه السلام كان بشرا آخر غير هذا.
انه كان من ذلك النوع الذي لا يطلّ على هذا العالم، الاّ في فترات معدودة من الزمان، فتستروح البشرية من شمائله مثلها، و تترسم بهداه النقي الفاضل سعادتها.
انه كان يفهم من الشرف معنى خاصا، مزيجا من عزة النفس و مصالح الدين، فلا الملك و لا المال، و لا المتع الملذوذة في الدنيا، مما يدخل في حساب الشرف عنده.
و كانت عصمته عن الرجس كما يصفها الكتاب، و روحيته المثالية التي تملأ ذلك الاهاب، تمنعانه النزول عن شموخ هذا الشرف، الى الحضيض من رغبات الملك الزائل، و اللشبانات المنغّصات، مع ما يستلزم ذلك من الصدوف عن اللّه و عن كتبه و رسله و اليوم الآخر، و لن يكون الرجل الدنيوي الا متغاضبا عن اولئك جميعا أو مغاضبا لهم.
و كان معنى ربح الموقف، عن طريق هذه الاساليب الملتوية، الخسارة الكبرى، في حياة هذا النوع من ذروات المثالية و أعالي الناس.
[١] البأس: الشجاعة و القوة. و معنى «ما كان معاوية بأبأس مني» :
ما كان بأشجع و أقوى مني.
[٢] الشكيمة: الأنفة و الانتصار من الظلم، و شديد الشكيمة: هو الآبي الذي لا ينقاد.