صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٧٠ - موقف الحيرة
و يوقفه على قدميه المباركتين، ثم لا يزال يباغمه بأنشودته المقدسة:
«حزقه حزقه، ترقّ عين بقّه» فيرقى بقدميه الصغيرتين متدرجا حتى يضعهما على صدر جده العظيم، و يفتح فاه، اذ يقول له: «افتح فاك» ، فيقبله بفيه، ثم يقول: «اللهم انى احبه فأحبّه و أحبّ من أحبّه [١] » .
ثم كانت هذه الذكرى مفتاح ذكريات كان من حقها ان تؤنسه و أن تنسيه مزعجات لحظته الاخيرة، و ان أسطع فترة في حياة كل انسان هي فترة طفولته البريئة بما يعمرها من الروابط المقدسة-بينه و بين الاحضان التي يلجأ إليها، و بينه و بين المجتمع الذي يعيش فيه-. و ان ذكريات تلك الفترة من حياة أيّ انسان تبقى خالدة في رأسه و في قلبه و في روحه و لا يمكن نسيانها ابدا.
فذكر مرة جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و قد وضعه على منكبه الايمن، و وضع أخاه الحسين على منكبه الايسر، فاستقبله أبو بكر فقال لهما: «نعم المركب ركبتما يا غلامين» . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و نعم الراكبان هما، ان هذين الغلامين ريحانتاي من الدنيا! [٢] » .
و ذكر يوم جثا جده و أركبه على ظهره، و أركب معه أخاه الحسين، و قال لهما: «نعم الجمل جملكما، و نعم العدلان أنتما [٣] » .
و ذكر مرة اخرى يوم جاء وجده ساجد فركب رقبته و هو في صلاته [٤] . و يوم جاء وجده راكع، فأفرج له بين رجليه حتى خرج من الجانب الآخر [٥] . و يوم قيل لجده: «يا رسول اللّه انك تصنع بهذا
[١] الزمخشري و ابن البيع و الطبراني و ينابيع المودة و الاصابة (ج ٢ ص ١٢) و غيرها.
[٢] كتاب سليم بن قيس، و البيهقي في المحاسن و المساوئ (ص ٤٩) و روى الاخير قول الحميري في نظمه الحديث:
اتى حسنا و الحسين الرسول # و قد برزا ضحوة يلعبان
فضمهما و تفداهما # و كانا لديه بذاك المكان
و مرا و تحتهما عاتقاه # فنعم المطية و الراكبان
[٣] الابانة لابن بطة.
[٤] الحلية لابي نعيم.
[٥] الاصابة (ج ٢ ص ١١) .