صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٦٨ - موقف الحيرة
الحرم من أصحاب الفيل، و المرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، ارم من عاداني بالتنكيل!» .
*** و التمعت على جوانب فكره اليائسة، و في زوايا تاملاته العابسة، اشعاعة من الامل، كانت جواب دعائه الى اللّه عزّ و جل، ففاحت ذكية العرف، و لاحت مضواءة الملامح، كأنها نذر البشارة.
و كانت مفاجأة غريبة أغلقت في وجهه هموم حاضره كلها، فاذا هو بين طوفان من الذكريات التي لا تمتّ الى ظرفه و لا تتصل بأرزاء لحظته.
ذكريات تشيع فيها اللذة و تجد فيها النفس الوانا من الامتاع و المؤانسة.
و للنفس اذا أفرط بها الالم و أرهقها الفكر و الصمت العميق، انتفاضتها المباركة التي تفرّ بها من الضيق الى السعة، و من اليأس الى الرجاء، و من الحيرة الى الدلالة المليئة بالامال.
انه ليفكر لحاضره من هذه المزعجات، و لمستقبله من هذا العدو المستهتر بالمقدسات، و انه ليظن «بأنه لو وضع يده في يده فسالمه لم يتركه أن يدين لدين جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [١] » .
اما هذه المفاجأة الجديدة، فقد رجعت به الى ثلث قرن مضى و حواليه فاذا هو بين منازل النبوة تتجاذبه، و مهابط الوحي تتلاقفه، و حلقات المهاجرين و الانصار تحتفل به.
رؤى تملك الحس و أحلام لذيذة تؤاسي الجراح.
هذا جده الاعظم، و هذا سلطان نبوته في قومه، و هذه نجوم الآي الكريمة تتنزل بين الفينة و الفينة. كأنها بريد السماء الى الارض و لا تتنزل الاّ في بيته، و هذا أبوه، وزير النبي و المجاهد الاكبر الذي أخضع صناديد العرب لكلمات اللّه، كأنه يرجع الآن و قد فتح حصن خيبر، و هذه أمه الطاهرة البتول، التي باهل بها الرسول فكانت بحق سيدة نساء العالمين.
[١] من كلمات الحسن نفسه كما يرويها البحار (ج ١٠ ص ١٠٧) .