صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين - الصفحة ١٦٩ - موقف الحيرة
و اذا لم يكن شيء مما يراه الآن، واقعا خارجيا، فليكن بحقيقته واقعا نفسيا، جلاه لناظره تيار روحي لا ينقطع بروحه عن هذا الجد و هذين الابوين، كما كان لا ينقطع عنهم بجسمه-في الواقع الخارجي- يوم الف اللّه وفده لمباهلة نصارى نجران، فكان الوفد هو الحسن وجده و أباه و أمه و أخاه، و يوم دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالكساء فلفّه على الصفوة المختارة (أصحاب الكساء الخمسة) فكانوا (الحسنين و أبويهما و جدهما الأعظم) ، و يوم نزلت آية التطهير ففسّرها النبي (ص) بالخمسة الميامين عليهم السلام.
خصائص من العظمة لا يشاركهم فيها أحد في الاسلام.
و تراءت له من وراء أفقه الحزين، صور ممتعة من طفولته المباركة و صباه الباكر الكريم، فتطلع منها الى أيامه البيض الحافلة بالنور في المدينة المنوّرة، يوم كان يدرج فيها بموقعه الممتاز، و مقامه المدلّل المرموق بين أقرانه و اترابه، و يوم كان يلعب و يمرح فيها، و لكن بين سواعد أبويه العظيمين و على صدر جده الاعظم أو على ظهره المقدس او على أعواد منبره الشريف، و يوم كان يتلقّف الوحي منذ لحظاته الاولى، و يتعلم كلمات اللّه من لسان نبيّ اللّه (ص) ، و يتخرج بعلمه على مصدر العلم، و يضع النقاط على الحروف ليستقبل سيادته على الناس، و امامته المفروضة في أعناق المسلمين. و انه ليستمع الى جده حين كان يراود الناس في كل مناسبة على الاعتراف له-بلسان أشبه بمباهات-كلما ذكر ابنه الحسن للسيادة و الامامة. و طالما ذكره لهما في حديثه أو ذكرهما له.
كانت عهودا مفعمة بروح العظمة و بعظمة الروح، جديرة بأن تهيب بالحسن فيتذكر منها اطيب الذكريات، و أحفلها بالغبطة و القوة و المكرمات.
و كانت الذكرى الاخاذة التي تمكنت بسلطانها من نفسه حتى انتزعت منه ابتسامته الملذوذة غير مظنون الابتسام في ظرفه. انه رأى جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كأنه ينتزعه الآن من عاتق أمه فيأخذه بيده،