نور الحقيقة ونور الحديقة في علم الأخلاق - الشیخ البهائي - الصفحة ١١٠ - الباب الثالث فى الكتابة
و عن مجاهد في قوله تعالى «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ»[١] قال: الخط.
«وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» يعني الخط.
و قال بعض الحكماء: القلم و السيف حاكمان في جميع الاشياء، و لولاهما ما قامت الدنيا.
و كانت العرب تعظّم قدر الخط جدا، و تعدّه من أكبر المنافع. فحينئذ، يجب على من يتعاطى الكتابة أن يكون طويل الروح عالما ببراية القلم و قطه و غلظه و طول جلفته. و أن يعرف أي حرف يمد، و أي حرف لا يمد، و عند أي حرف يمد، ثم يعتني بعد ذلك بأمرين:
أحدهما: تقويم الحروف على أشكالها الموضوعة لها، فيعطي كل حرف حقه، ليصير الخط مبينا.
و ثانيهما: ضبط ما اشتبه بالنقط و الشكل المميز لها. ثم ما زاد على هذين الشيئين من تحسين الخط و ملاحة نظمه، فانما هو زيادة حذق بصنعته و ليس شرطا في صحته.
قال بعض شعراء البصرة:
|
اعذر أخاك على رداءة خطه |
و اغفر نزالته[٢] بجودة ضبطه |
|
|
و اعلم بان الخط ليس يراد من |
تركيبه الا تبيّن سمطه |
|
|
فاذا أبان عن المعاني لم يكن |
تحسينه الا زيادة شرطه |
|
فما زاد على الخط المفهوم من تحسين الصورة كالزايد على الكلام المفهوم من فصاحة الالفاظ و صحة الاعراب.
و لهذا قالت الاعراب: حسن الخط أحد الفصاحتين فكما لا يقدر من أراد
[١] سورة البقرة: ٢/ ٢٦٩.
[٢] النزالة: الانحراف و هو فى الاصل سيلان الارض من ادنى مطر لصلابتها