شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٦ - فيما هو وسيلة إلى الفوز بالجنّة و النجاة من النار
زاد الآخرة
الهالك أسفا يوم الحسرة و الندامة يقول« «لاٰ يُوثِقُ وَثٰاقَهُ
أَحَدٌ » » ١و في المعنى ما قيل:
إذا أنت لم تزرع و عاينت
حاصدا ندمت على التفريط في زمن البذر.
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:الأحمق من اتّبع
نفسه هواها و تمنّى على اللّه.و قال «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتٰابَ
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هٰذَا الْأَدْنىٰ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ
لَنٰا» و إنّما خصّص عليه السّلام القسم الثاني بالرجاء إذ كان كما علمت عمدته
لضعف عمله و قلّة الأسباب من جهته،و إلى هذه الأقسام الثلاثة أشار القرآن الكريم
بقوله «فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ
سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ
الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» ٢و إن اختلفت مبدء الرتبتين.
قوله اليمين و الشمال مضلّة و الطريق الوسطى هي الجادّة .لمّا قسّم الناس إلى سابقين و لا حقين و مقصّرين أشار لهم إلى الطريق الّتي أخذ اللّه عليهم سلوكها و نصب لهم عليها أعلام الهدى ليصلوا بها إلى جناب عزّته سالمين عن تخطّفات الشياطين،و ميّزها عن طريق الضلال.
و لمّا علمت أنّ طريق السالكين إلى اللّه إمّا العلم أو العمل،فالعلم طريق القوّة النظريّة، و العمل طريق القوّة العمليّة و كلّ منهما محتو برذيلتين هما طرفا التفريط و الإفراط كما علمته و الوسط منهما هو العدل و الطريق الوسطى و هي الجادّة الواضحة لمن اهتدى و هي الّتي عليها ما في الكتاب الإلهيّ من المقاصد الحكميّة عليها آثار النبوّة و منفذ السنّة أي طريقها و مبدءها الّذي منه تخرج و إليها مصير عاقبة الخلق في الدنيا و الآخرة فإنّ من العدل بدأت السنّة و انتشرت في الخلق،و إليه مرجع امورهم أمّا في الدنيا فلأنّ نظام امورهم في حركاتهم و سكناتهم مبنّى عليه في القوانين الشرعيّة و إلى تلك القوانين و القواعد ترد عواقب امورهم و عليها يحملون،و أمّا في الآخرة فبالنسبة إليه يتبيّن خسران الخاسرين و فوز الفائزين فتحكم لمن سلك و تمسّك به أوقات سفره إلى اللّه بجنّات النعيم و لمن انحرف عنه و تجاوزه بالعذاب الأليم في نار الجحيم و كلّ واحد من طرفي الإفراط و التفريط بالنسبة إليه هو المراد باليمين و الشمال من ذلك الوسط و هما طريقا المضلّة لمن عدل إليهما،و مورد الهلاك لمن سلكهما