شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤٣ - فيما تكوّنت السماء منه
«لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ» ثمّ قالوا:ما من موجود في عالم الجسمانيّة إلاّ و له نسبة إلى عالم الروحانيّة و هو مثال له بوجه ما و لو لا ذلك لأنسدّ طريق الترقّي إلى العالم الروحانيّ و تعذّر السفر إلى الحضرة الإلهيّة،ثمّ كان من بحثهم أن بيّنوا أنّ قدرة اللّه سبحانه ترجع إلى كون ذاته عاملة بالكلّ علما هو مبدء الكلّ مبدئيّة بالذات غير مأخوذة عن شيء و لا متوقّفة على وجود شيء،ثمّ لمّا دلّ دليلهم على أنّ رتبة صدور عالم الأمر أعلى في الوجود و أسبق نسبة إلى قدرة المبدع الأوّل من عالم الخلق إذ كان صدور عالم الخلق إنّما هو بواسطة عالم الأمر كان اعتبار إيجاد عالم الأمر عن القدرة أمرا أوّلا و اعتبار إيجاد عالم الخلق عنها أمرا ثانيا متأخّرا عنه فعند ذلك قالوا:إنّ الّذي أشار إليه عليه السّلام هاهنا موافق لما أصّلناه و متناسب له،و ذلك أنّه أشار بالأجواء و الأرجاء و سكائك الهواء إلى سلسلة وجود الملائكة المسمّاة بالعقول الفعّالة على مراتبها متنازلة،و بإنشائها إلى إيجادها،و و بفتقها و شقّها إلى وجودها،و بالماء المتلاطم المتراكم إلى الكمالات الّتي وجبت عنه سبحانه و بإجرائها فيها إلى افاضته على كلّ واحد منها ما استحقّه بواسطة ما قبله،و بالريح العاصف إلى الأمر الأوّل الّذي أشرنا إليه عن القدرة،و أمّا وجه المناسبة بين هذه الامور و بين ما ذكره فأمّا في التعبير عن العقول بالأرجاء و الأجواء و السكائك فمن جهة أنّها قابلة للفيض و الكمالات عن مبدئها الأوّل كما أنّ الأرجاء و الأجواء و سكائك الهواء قابلة للماء عمّا يخرج عنه من سحاب أو ينبوع، تشبيه و أمّا في تشبيه الفيض بالماء فلأنّه لمّا لم يكن بحيث يتوقّف إلاّ على تمام القابل فحيث وجد سال بطبعه إليه كذلك الفيض الإلهيّ لا يتوقّف صدوره عن واهبه إلاّ على تمام القابل لكون الفاعل تامّ الفاعليّة في ذاته،و لأنّ الماء لمّا كان به قوام كلّ حيّ جسمانيّ في عالم الكون كذلك الفيض الإلهيّ هو مبدء قوام كلّ موجود قالوا:و مثل هذا التشبيه جاء في القرآن الكريم قال جمهور المفسّرين و منهم ابن عباس-رضى اللّه عنه-في قوله تعالى «أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا» ١:إنّ المراد بالماء هو العلم،و بالأودية قلوب العباد،و بإنزاله إفاضته على القلوب،و بقوله «فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا» أنّ كلّ قلب منها يصل إليه مقدار ما يستحقّه و يقبله .قالوا:و ذلك أنّ اللّه سبحانه أنزل من سماء الكبرياء و الجلالة