شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤١ - فيما تكوّنت السماء منه
الهواء امور عدميّة فكيف يصحّ نسبتها إلى الإنشاء عن القدرة.قلت:إنّ هذه الأشياء عبارة عن الخلاء و الأحياز،و الخلاف في أنّ الخلاء و الحيّز و المكان هل هي امور وجوديّة أو عدميّة مشهور فإن كانت وجوديّة كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة،و يكون معنى فتقها و شقّها و نسبتها إلى القدرة تقديرها و جعلها أحيازا للماء و مقرّا له لأنّه لمّا كان تمييزها عن مطلق الهواء و الخلاء بإيحاد اللّه فيها الماء صار تعيّنها له بسبب قدرته تعالى فيصحّ نسبتها إلى إنشائه فكأنّه سبحانه شقّها و فتقها بحصول الجسم فيها،روي أنّ زرارة و هشاما اختلفا في الهواء أهو مخلوق أم لا؟فرفع بعض موالي الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام إليه ذلك و قال:إنّي متحيّر و أرى أصحابنا يختلفون فيه فقال عليه السّلام:ليس هذا بخلاف يؤدّي إلى الكفر و الضلال، و اعلم أنّه عليه السّلام إنّما أعرض عن بيان ذلك لأنّ أولياء اللّه الموكّلين بإيضاح سبيله و تثبيت خلقه على صراط المستقيم لا يلتفتون بالذات إلاّ إلى أحد أمرين،أحدهما ما يؤدّي إلى الهدى أداء ظاهرا واضحا،و الثاني ما يصرف عن الضلال و يردّ إلى سواء السبيل،و بيان أنّ الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد فلا يكون الجهل به ممّا يضرّ في ذلك فكان ترك بيانه و الاشتغال بما هو أهمّ منه أولى.
البحث الرابع أنّ القرآن الكريم نطق بأنّ السماء تكوّنت من الدخان
استعارة و كلامه عليه السّلام ناطق بأنّها تكوّنت من الزبد و ما ورد في الخبر أنّ ذلك الزبد هو الّذي تكوّنت منه الأرض فلا بدّ من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات.فنقول:وجه الجمع بين كلامه عليه السّلام و بين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر عليه السّلام و هو قوله فيخرج من ذلك الموج و الزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السماء و لا شكّ أنّ القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته لأنّ ذلك إنّما يكون عن النار و اتّفق المفسّرون على أنّ هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفّس الماء و تبخيره بسبب تموّجه،فهو إذن استعارة للبخار الصاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول:إنّ كلامه عليه السّلام مطابق للفظ القرآن الكريم و ذلك أنّ الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلاّ أنّه ما دامت الكثافة غالبة عليه و هو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنّه يخصّ باسم الزبد و ما لطف و غلبت عليه الأجزاء الهوائيّة فانفصل خصّ باسم البخار،و إذا كان الزبد بخارا و البخار هو المراد بالدخان