شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٦ - في حقيقة إبليس أهو من الملائكة أم لا؟
لما أمره بالسجود لآدم عصى و غوى فكان الباري هو الأصل في حصول الإغواء له فلذلك نسبه إليه،و احتجّ أيضا من جواز الخطاء على الأنبياء عليهم السّلام من هذه القصّة بقوله تعالى «وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ» و أجاب من أوجب عصمتهم من حين الولادة بأنّه لمّا دلّ الدليل على وجوب عصمتهم وجب صرف هذا اللفظ و نحوه على ترك الأولى و هو في حقّهم سيّئة و معصية و إن كان في حقّ غيرهم حسنة كما قال حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين و من أوجب عصمتهم من حين الرسالة فله أن يحمل هذه المعصية على ما قبل الرسالة و المسألة مستقصاة في الكلام.
البحث الثامن
-قال القفّال أصل التلقّى في قوله «فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ» و قوله عليه السّلام و لقّاه كلمة رحمته هو التعرّض للقادم وضع في موضع الاستقبال للمسيء و الجاني ثمّ وضع موضع القبول و الأخذ قال تعالى «وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ» أي تلقّنه و يقال تلقّينا الحاجّ أى استقبلناهم و تلقيّت هذه الكلمة من فلان أى أخذتها منه،و إذا كان هذا أصل الكلمة و كان من تلقّى رجلا فتلاقيا لقى كلّ واحد منهما صاحبه و اضيف بالاجتماع إليهما معا فصلح أن يشتركا في الوصف بذلك فكلّ ما تلقيته فعد تلقاك فجاز أن يقال تلقّى آدم ربّه كلمات أى أخذها و وعاها و استقبلها بالقبول،و لقّاه اللّه إيّاها أي أرسلها إليه و واجهه بها،ثمّ ذكر المفسّرون في ذلك الكلمات أقوالا:الأوّل روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس -رضى اللّه-عنه أنّ آدم عليه السّلام قال يا ربّ أ لم تخلقنى بيدك بلا واسطة قال:بلى قال:
أ لم تسكنّى جنّتك قال:بلى قال:أ لم تسبق رحمتك غضبك قال:بلى قال:إن تبت و اصلحت أ تردّني إلى الجنّة قال:نعم،و هو قوله تعالى «فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ» ،الثاني قال النخعيّ:أتيت ابن عبّاس فقلت:ما الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه؟قال:علّم اللّه تعالى آدم و حوّا أمر الحجّ و الكلمات الّتي يقال فيه فحجّا فلمّا أفرغا أوحى اللّه تعالى إليهما إنّي قد قبلت توبتكما،الثالث قال مجاهد و قتادة و في إحدى الروايتين عنهما:هي قوله، «رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنٰا وَ تَرْحَمْنٰا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ» الرابع قال سعيد بن جبير:إنّها قوله «لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ» و بحمدك عملت سوءا و ظلمت نفسي فاغفر لي إنّك خير الغافرين «لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنْتَ سُبْحٰانَكَ» و بحمدك عملت سواء و ظلمت نفسي