شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٢٠ - في بيان معنى الدين لغة و اصطلاحا
الإنسان،و كلّ مرتبة من المراتب الأربع الاولى مبدء لما بعدها من المراتب،و كلّ من الأربع الأخيرة كمال لما قبلها،ثمّ إنّ المرتبتين الأوليين مركوزتان في الفطر الإنسانيّة بل فيما هو أعمّ منها و هي الفطر الحيوانيّة و لذلك فإنّ الأنبياء عليهم السلام لم يدعوا الخلق إلى تحصيل هذا القدر من المعرفة،و أيضا فلو كان حصول هذا القدر من المعرفة متوّقفا على دعوة الأنبياء و صدقهم مع أنّ صدقهم مبنىّ على معرفة أنّ هاهنا صانعا للخلق أرسلهم للزم الدور،و إنّما كانت أوّل مرتبة دعوا إليها من المعرفة هي توحيد الصانع و نفي الكثرة عنه المشتمل عليها أوّل كلمة نطق بها الداعي إلى اللّه و هي قولنا: «لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰهُ» فقال صلى اللّه عليه و آله من قال «لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰهُ» خالصا مخلصا دخل الجنّة.ثمّ استعدّت أذهان الخلق بما نطقت به من التوحيد الظاهر نبّههم على أنّ فيها قوّة إعداد لتوحيد أعلى و أخفى من الأوّل فقال:من قال «لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰهُ» خالصا مخلصا دخل الجنّة،و ذلك إشارة إلى حذف كلّ قيد من درجة الاعتبار مع الوحدة المطلقة إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يحتمل أن يكون مراده بالمعرفة المرتبة الاولى من مراتب المعرفة و حينئذ يكون معنى قوله أوّل الدين معرفته ظاهرا فإنّ ذلك القدر أوّل متحصّل في النفس من الدين الحقّ،و يحتمل أن يكون مراده المعرفة التامّة الّتي هي غاية العارف و نهاية مراتب السلوك و حينئذ يكون المراد من كونها أوّل الدين هو أوليّتها في العقل و هو إشارة إلى كونها علّة غائيّة إذ العلّة الغائيّة متقدّمة في العقل على ما هي علّة له و إن تأخّرت في الوجود،و بيان ذلك أنّ المعرفة التامّة الّتي هي غاية سعى العارف غير حاصلة في مبدء الأمر بل يحتاج في كمال ما حصل له من مراتب المعرفة و تحصيل المعرفة التامّة إلى الرياضة بالزهد و العبادة و تلقى الأوامر الإلهيّة بالقبول الّتي هي سبب إتمام الدين فيستعدّ أوّلا بسببها للتصديق بوجوده يقينا ثمّ لتوحيده ثمّ للإخلاص له ثمّ لنفي كلّ ما عداه عنه فيغرق في تيّار بحار العظمة و كلّ مرتبة أدركها فهي كمال لما قبلها إلى أن تتمّ المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه و بكمال المعرفة يتمّ الدين و ينتهي السفر إلى اللّه .
[قوله و كمال معرفته التصديق إلى قوله نفي الصفات عنه.]
قوله و كمال معرفته التصديق إلى قوله نفي الصفات عنه.
أقول:ترتيب هذه المقدّمات على هذا الوجه يسمّى قياسا مفصولا و هو القياس المركّب