شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٣٧ - ٢-الخطبة ألقاها بعد انصرافه من صفيّن
«لَئِنْ»
«شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» لما يشتمل عليه الآية من البعث على رجاء المزيد،و الثانية الاستسلام لعزّته فإنّ العبد أيضا يستعدّ بكمال الشكر لمعرفة المشكور و هو اللّه سبحانه و هي مستلزمة للانقياد لعزّته و الخشوع لعظمته و هو في ذلك ناظر إلى قوله «وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ» لما يشتمل عليه الآية من التخويف المانع من مقابلة نعم اللّه تعالى بالكفر، ثمّ لمّا كان الاستعداد لتمام النعم و التأهّل لكمال الخضوع و الانقياد لعزّة اللّه سبحانه إنّما يتمّ بعد أن يكون العناية الإلهيّة آخذة بضبعي العبد و جاذبة له عن ورطات المعاصي مبّعدة له عن أسباب التورّط فيها بكفاية المؤن و الأسباب الداعية إلى ارتكاب أحد طرفي الإفراط و التفريط جعل عليه السّلام للحمد غاية اخرى هي الوسيلة إلى الغايتين المذكورتين و هي الاستعصام باللّه سبحانه من معصيته،و عقّب ذلك الشكر بطلب المعونة منه على تمام الاستعداد لما سأل و شكر لأجله،و جعل لتلك الاستعانة علّة حاملة و هي الفاقة نحو غاية هي كفاية دواعي التفريط و الإفراط بالجذبات الإلهيّة و لا شكّ أنّ الغايتين المذكورتين لا يتمّ بدون عصمته و المعونة بكفايته و ذلك قوله و استعصاما من معصيته و أستعينه فاقة إلى كفايته.
مجاز قوله إنّه لا يضلّ من هداه و لا يئل من عاداه و لا يفتقر من كفاه تعليل لطلبه المعونة على تحصيل الكفاية فإنّه لمّا كان حصول الكفاية مانعا من دواعي طرفي التفريط و الإفراط كان العبد مستقيم الحركات على سواء الصراط و ذلك هدى اللّه يهدي به من يشاء فكأنّه قال:
و أستعينه على أن يرزقني الكفاية المستلزمة للهداية الّتي هي الغنى الحقيقي و الملك الأبديّ فإنّه لا يضلّ من هداه و لا ينجو من عذابه من عاداه و أعرض عن شكره و الاستعانة به و قد أطلق عليه السّلام هاهنا لفظ المعاداة اللّه كما أطلقها القرآن الكريم على ما هو من لوازمها و هو الإعراض عن عبادته و البغض لها و لمن تلبّس بها من عباده مجازا.
قوله فإنّه أرجح ما وزن و أفضل ما خزن الضمير يعود إلى اللّه سبحانه و لمّا كانت ذاته مقدّسة عن الوزن و الخزن اللّذين هما من صفات الأجسام فبالحريّ أن يكون المقصود رجحان عرفانه في ميزان العقل إذ لا يوازنه عرفان ما عداه بل لا يخطر ببال العارف عند الإخلاص سواه حتّى يصدق هناك موازنة يقال فيها أرجح،و يكون المراد بالخزن خزن