شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٣ - حقيقة الاستعارة و أقسامها
لقوّة المشابهة أن يقول العلم كالنور و بالجملة فالاستعارة إنّما تحسن حيث يكون التشبيه متقرّرا بين الناس ظاهرا فأمّا إذا خفى و احتاج إلى كلفة فلا بدّ من التصريح فإنّك لو قلت في قوله عليه السّلام:مثل المؤمن كمثل النخلة رأيت نخلة و أردت المؤمن كنت كما قال سيبويه ملغزا تاركا لكلام العرب.
البحث الثالث في ترشيح الاستعارة و تجريدها
-أمّا ترشيح الاستعارة فأن تراعي جانب المستعار و تولّيه ما يستدعيه و تضمّ إليه ما يقتضيه كقول كثير:رمتنى بسهم ريشة الكحل لم يضرّ،فاستعار الرمى للنظر وراعى ما يستدعيه فأردفه بلفظ السهم،و قول امرء القيس:
فقلت له لما تمطي
بصلبه أو أردف أعجاز أوناء بكلكل.
لمّا جعل لليل صلبا قد تمطّي به أردفه بما يقتضيه من الأعجاز و الكلكل،و أمّا تجريدها فأن يراعي جانب المستعار له كقوله تعالى« «فَأَذٰاقَهَا اللّٰهُ لِبٰاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ» »و كقول زهير:لدىّ أسد شاكي السلاح مقذّف،لو نظر إلى المستعار هاهنا لقيل فكساهم لباس الجوع،و لقال زهير لدىّ أسد في المخالب و البراثن.
البحث الرابع في الاستعارة بالكناية و تنزيلها منزلة الحقيقة
-و أمّا الاستعارة بالكناية فهو أن يذكر بعض لوازم المستعار للتنبيه عليه دون التصريح بذكره كقول أبي ذويب:و اذ المنيّة انشبت أظفارها.فكأنّه حاول استعارة السبع للمنيّته لكنّه لم يصرّح بها بل ذكر بعض لوازمها تنبيها لها على المقصود،و أمّا تنزيلها منزلة الحقيقة فاعلم أنّهم قد يستعيرون الوصف للشيء المعقول و يجعلون ذلك كالثابت لذلك الشيء في الحقيقة و كأنّ الحقيقة لم توجد و ذلك كاستعارة العلوّ لزيادة الرجل على غيره في الفضل ثمّ وضعهم الكلام وضع من يذكر علوّا مكانيّا كقول أبي تمام.
و يصعد حتّى يظنّ
الجهول بأنّ له حاجة في السماء
فقصد هاهنا أن ينسي التشبيه و يرفعه رأسا و يجعل الممدوح
صاعدا في السماء صعودا مكانيّا و هكذا إذا استعاروا اسم الشيء لغيره من نحو بدر أو
أسد فإنّهم يبلغونه إلى حيث يعتقد أن ليس هناك استعارة كقوله:
قامت تظلّلني و من عجب شمس تظلّلني من الشمس