شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٤٥ - لوصيف نفسه عليه السّلام بأنّه عيبة علم اللّه و موضع سرّه و حكمته
[القسم الثاني] و منها يعنى آل النبي عليه الصلاة و السّلام
:
هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَ لَجَأُ أَمْرِهِ- وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ- وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ وَ جِبَالُ دِينِهِ- بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وَ أَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ
[اللغة]
أقول:و اللجأ الملجأ ،و الموئل المرجع من آل يؤول إلى كذا إذا رجع و انتهى إليه ، و الانحناء الاعوجاج ،و الفرائض جمع فريضة و هي اللحمة الّتي بين الجنب و الكتف لا تزال ترعد من الدابّة ،
[المعنى ]
و قد وردت هذه القرائن الأربع بالسجع المتوازي،و الضمائر المفردة هاهنا كلّها راجعة إلى اللّه تعالى إلاّ الضمير في ظهره و فرائضه فإنّهما للرسول صلى اللّه عليه و آله كما سبق ذكر اللّه و رسوله في صدر الخطبة،و قيل الكلّ للرسول صلى اللّه عليه و آله،و أشار بكونهم موضع سرّه إلى كمال استعداد نفوسهم عليهم السّلام لأسرار اللّه و حكمته إذ الموضع الحقيقي للشيء هو ما قبله و استعدّ له،و بكونهم ملجأ أمره إلى أنّهم الناصرون له و القائمون بأوامر اللّه و الذابّون عن الدين فإليهم يلتجىء و بهم يقوم سلطانه، استعارة و كونهم عيبة علمه مرادف لكونهم موضع سرّه إذ يقال في العرف فلان عيبة العلم إذا كان موضع أسراره،و لفظ العيبة استعارة لنفوسهم الشريفة و وجه المشابهة ظاهر إذ العيبة لمّا كان من شأنها حفظ ما يودع فيها و صائنه عن التلف و الأدناس،و كانت أذهانهم الطاهرة حافظة للعلم عن عدمه و صائنة له عن تدنّسه بأذهان غير أهله لا جرم حسنت استعارة لفظ العيبة لأذهانهم، و بكونهم موئل حكمه إلى كونهم مرجعا لحكمته إذا ضلّت عن أذهان غيرهم فمنهم تطلب و عنهم تكتسب،و بكونهم كهوف كتبه إلى أنّهم أهل حفظها و دراستها و تفسيرها و عندهم علمها و تأويلها،و الكتب إشارة إلى القرآن و ما قبله من كتب اللّه كما نقل عنه عليه السّلام في موضع آخر لو كسرت إلى الوسادة ثمّ جلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم،و اللّه ما من آية نزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلاّ و أنا أعلم فيمن نزلت و في أيّ وقت نزلت، استعارة و استعارة لفظ الكهف قريبة من استعارة لفظ العيبة،و بكونهم جبال دينه إلى دين اللّه سبحانه