شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٦٨ - في أصناف الملائكة
التوهّم عن هذا الطور من الملائكة لعدم قوّة الوهم هناك فإنّ هذه القوّة لمّا كانت موجودة للإنسان لا جرم كان يرى ربّه في جهة و يشير إليه متحيّزا ذا مقدار و صورة،و لذلك وردت الكتب الإلهيّة و النواميس الشرعيّة مشحونة بصفات التجسيم كالعين و اليد و الإصبع و الاستواء على العرش و نحو ذلك خطابا للخلق بما تدركه أوهامهم و توطينا لهم و إيناسا حتّى أنّ الشارع لو أخذ في مبدء الأمر بيّن لهم أنّ الصانع الحكيم ليس داخل العالم و لا خارجة و لا في جهة و ليس مجسم و لا عرض لاشتدّ نفار أكثرهم من قبول ذلك و عظم إنكارهم له فإنّ الوهم في طبيعته لا يثبت موجودا بهذه الصفة و لا يتصوّره،و من شأنه أن ينكر ما لا يتصوّر فكان منكرا لهذا القسم من الموجودات و الخطابات الشرعيّة و إن وردت بصفات التجسيم إلاّ أنّ الألفاظ الموهمة لذلك لمّا كانت قابلة للتأويل محتملة له كانت وافية بالمقاصد إذ العاميّ المغمور في ظلمات الجهل يحمله على ظاهره و يحصل بذلك تقييده عن تشتّت اعتقاده و ذو البصيرة المترقّي عن تلك الدرجة يحمله على ما يحتمله عقله من التأويل،و كذلك حال من هو أعلى منه،و الناس في ذلك على مراتب فكان إيرادها حسنا و حكمة .
قوله و لا يجرؤن عليه صفات المصنوعين.
أقول:إجراء صفات المصنوعين عليه إنّما يكون بمناسبته و مما ثلثته مع مصنوعاته و مكوّناته و كلّ ذلك بقياس من الوهم و محاكاة من المتخيّلة له بصورة المصنوع،فكان الوهم يحكم أوّلا يكون الباري عزّ سلطانه مثلا لمصنوعاته الّتي يتعلّق إدراكه بها من المتحيّزات و ما يقوم بها و يخيّله بصورة منها ثمّ يساعده العقل في مقدّمة اخري هي أنّ حكم الشيء حكم مثله فيجري حينئذ عليه صفات مصنوعاته التي حكم بمثليّته لها،و لما كانت الملائكة السماويّة منزّهين عن الوهم و الخيال لا جرم وجب تنزيههم عن أن يجروا عليه صفات مصنوعاته سبحانه و تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا ،و كذلك قوله و لا يحدّونه بالأماكن و لا يشيرون إليه بالنظائر فإنّ الحاكم بحدّه في مكان و تحيّزه فيه و المشير إليه بالمثل المتصوّر له بالقياس إلى نظير يشاكله و يشابهه إنّما هو الوهم و الخيال،و لمّا عرفت أنّهما يخصّان للحيوان العنصريّ لا جرم كانت هذه الأحكام مسلوبة عن الملائكة السماويّة مطلقا و باللّه التوفيق.
الفصل الثالث في كيفيّة خلق آدم عليه السلام.