شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٣٠ - ٢٠-الخطبة ألقاها لموعظة الناس و حشّهم على التقوى
وراء ما جذبتم به إلى اللّه تعالى على ألسنة رسله طريقة اخرى تدعون بها،إذ ما يمكن دعوتكم إلاّ بالوعد و الوعيد و الأمثال و التذكير بالعبر اللاحقة لقوم حقّت عليهم كلمة العذاب،و نحو ذلك لا يمكن إيضاحه لكم مشاهدة إلاّ على ألسنة الرسل البشريّة عليهم السّلام فلا يمكن أن يبلغ إليكم رسالات ربّكم بعد رسل السماء الّتي هي الملائكة إلاّ هم فينبغي أن يكون ذلك أمرا كافيا لكم في الالتفات إلى اللّه.
٢٠-و من خطبة له عليه السّلام
فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ- تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ قال الشريف:أقول:إن هذا الكلام لو وزن،بعد كلام اللّه سبحانه و بعد كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله،بكل كلام لمال به راجحا،و برّز عليه سابقا.فأما قوله عليه السّلام «تخففوا تلحقوا» فما سمع كلام أقل منه مسموعا و لا أكثر محصولا و ما أبعد غورها من كلمة،و أنقع نطفتها من حكمة،و قد نبهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها و شرف جوهرها
[المعنى ]
أقول:لا شكّ أنّ هذه الكلمات اليسيرة قد جمعت وجازة الألفاظ و جزالة المعنى المشتمل على الموعظة الحسنة و الحكمة البالغة و هي أربع كلمات:الاولى أنّ الغاية أمامكم .و اعلم أنّه لمّا كانت الغاية من وجود الخلق أن يكونوا عباد اللّه كما قال تعالى «وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ» ١و كان المقصود من العبادة إنّما هو الوصول إلى جناب عزّته و الطيران في حظائر القدس بأجنحة الكمال مع الملائكة المقرّبين،و كان ذلك هو غاية الإنسان المطلوبة منه و المقصودة له و المأمور بالتوجّه إليها بوجهه الحقيقي فإن سعى لها سعيها أدركها و فاز بحلول جنّات النعيم و إن قصّر في طلبها و انحرف سواء الصراط الموصل إليها و قد علمت أنّ أبواب جهنّم عن جنبتي الصراط مفتّحة كان فيها من الهاوين،و كانت غايته فدخلها مع الداخلين