شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٠٢ - بيان المراد من أهل بيت النبيّ
لهذين اللفظين اللذين هما حقيقة في النهر و العين و نحوهما له عليه السّلام و وجه المشابهة أنّ الشريعة من الماء كما يردّها العطشى للتروّي و الاستقاء كذلك هو عليه السّلام مرجع للخلق في استفادة الفصاحة،و لو قال مصدرها و موردها لكان أبلغ إذ كان المشرع و المورد مترادفين أو قريبين من الترادف،و كذلك قوله منشأ البلاغة و مولدها استعارة أيضا تشبيها لذهنه عليه السّلام بالامّ و تشبيها للفصاحة بالولد في الصدور عنه .الرابع قوله لأنّ كلامه عليه السّلام الكلام الّذي عليه مسحة من العلم الإلهىّ و فيه عقبة من الكلام النبويّ قدّر العلم الإلهيّ كلّه حسنا و جمالا حتّى جعل في كلامه عليه السّلام أثرا منه و قدّر الكلام النبويّ طيبا كالمسك الأذفر حتّى جعل في كلامه عليه السّلام عبقة منه و استلزم ذلك تخيّل حاسّتي البصر و الشمّ للعقل ليدرك بالاولى المسحة من العلم الإلهيّ،و بالثانية العبقة من الكلام النبويّ و هى استعارة على طريق الكناية فكنّى بالمسحة عما أدركه العقل في كلامه من الحكمة المشار إليها في القرآن الكريم و الفصاحة و كنّى عما أدركه من الاسلوب و الطريقة الموجودة فيه مع الفصاحة و الحكمة في الكلام النبويّ فكان العقل يبصر و يسمع بقوته أثر العلم الإلهيّ فيه،و يشمّ رائحة الكلام النبويّ منه قال أبو الحسن الكيدرى-رحمه اللّه-:إنّما خصّ الكلام الإلهيّ بالمسحة و الكلام النبويّ بالعبقة لأنّ كلامه عليه السّلام شديد الشبهة بكلام الرسول صلى اللّه عليه و آله فهو كالجزء منه لأنّهما غصنا دوحة و قرعا ارومة،و لمّا كان معنى عبوق الشيء بالشيء لزومه له و التصاقه به صار لشدّة اتّصاله به كالجزء منه فلذلك قال عبقة من الكلام النبويّ،و لمّا كان معنى المسحة الأثر من الجمال و لم يكن مجرّد الأثر من الشيء في الشيء يوجب لزومه له و شدّة المشابهة به،و كان كلام الباري سبحانه بعيد الشبه بكلام الخلق لا جرم خصّه بالمسحة دون العبقة،و هذا الفرق مع تلخيصنا له فيه تكلّف،و يمكن أن يقرّر على وجه آخر فيقال:إنّ العبقة أدلّ على وجود العائق من المسحة على ما في وجود ما هى منه فإنّ العبقة تدلّ على وجود العائق للمحلّ في الظاهر و في نفس الأمر و أمّا المسحة من الشيء و هي الأثر منه فإنّما تدلّ على وجوده للمحلّ في الظاهر فقط أ لا ترى إلى قوله:
على وجه مىّ مسحة
من ملاحة و تحت الثياب الشين لو كان باريا.
و أيضا فإنّ أثر الجمال أو الثروة و الملك قد يدلّ عند بعض الأذهان،و لا يدلّ عند