شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٢٦ - بيان آداب الحجّ
النفس و تطهيرها عن رذيلة البخل و تزيينها بجمال التعظيم للّه «لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لاٰ دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ» قال صلى اللّه عليه و آله:ما من عمل آدميّ يوم النحر أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من إهراقه دما و إنّها لتأتى يوم القيامة بقرونها و إطلافها و إنّ الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع الأرض فطيّبوا بها نفسا.العاشر أن يكون طيّب النفس بما أنفقه من هدى و غيره،و بما أصابه من خسران و نقيصة مال إن أصابه ذلك فإنّه بذلك يكون مكتفيا إلى اللّه سبحانه عن كلّ ما أنفقه متعوّضا عنه ما عند اللّه و ذلك علامة لقبول حجّه.
البحث الثالث-في الوظائف القلبيّة عند كلّ عمل من أعمال الحجّ.
اعلم أنّ أوّل الحجّ فهم موقع الحجّ في الدين ثمّ الشوق إليه ثمّ العزم عليه ثمّ قطع العلائق المانعة عنه ثمّ تهيئة أسباب الوصول إليه من الزاد و الراحلة ثمّ السير ثمّ الإحرام من الميقات بالتلبية ثمّ دخول مكّة ثمّ استتمام الأفعال المشهورة،و في كلّ حالة من هذه الحالات تذكرة للمتذكّر و عبرة للمعتبر و نيّة للمريد الصادق و إشارة للفطن الحاذق إلى أسرار يقف عليها بصفاء قلبه و طهارة باطنه إن ساعده التوفيق.أمّا الفهم فاعلم أنّه لا وصول إلى اللّه إلاّ بتنحية ما عداه عن القصد من المشتهيات البدنيّة و اللذّات الدنيويّة و التجريد في جميع الحالات و الاقتصار على الضروريّات،و لهذا انفرد الرهبان في الأعصار السالفة عن الخلق في قلل الجبال توحّشا من الخلق و طلبا للانس بالخالق و اعرضوا عن جميع ما سواه،و لذلك مدحهم بقوله «ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْبٰاناً وَ أَنَّهُمْ لاٰ يَسْتَكْبِرُونَ» فلمّا اندرس ذلك و أقبل الخلق على اتّباع الشهوات و الإقبال على الدنيا و الالتفات عن اللّه بعث نبيّه صلى اللّه عليه و آله لإحياء طريق الآخرة و تجديد سنّة المرسلين في سلوكها فسأله أهل الملل عن الرهبانيّة و السياحة في دينه فقال:أبدلنا بها الجهاد و التكبير على كلّ شرف يعنى الحجّ.و سئل عن السائحين فقال:هم الصائمون فجعل سبحانه الحجّ رهبانيّة لهذه الامة فشرّف البيت العتيق بإضافته إلى نفسه و نصبه مقصدا لعباده و جعل ما حوله حرما لبيته تفخيما لأمره و تعظيما لشأنه،و جعل عرفات كالميدان على باب حرمه و أكدّ حرمة الموضع بتحريم صيده و شجره،و وضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوّار «مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» شعثا غبرا متواضعين لربّ البيت مستكينين له خضوعا بجلاله و استكانة لعزّته مع الاعتراف بتنزيهه عن أن