شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧١ - ٤-الخطبة خطبها بعد قتل طلحة و الزبير
[المعنى]
و اعلم أنّ هذه الخطبة من أفصح كلامه عليه السّلام و هي مع اشتمالها على كثرة المقاصد الواعظة المحرّكة للنفس في غاية و جازة اللفظ،ثمّ من عجيب فصاحتها و بلاغتها أنّ كلّ كلمة منها تصلح لأن تفيد على سبيل الاستقلال و هي على ما نذكره من حسن النظم و تركيب بعضها مع بعض.قوله بنا اهتديتم في الظلماء الضمير المجرور راجع إلى آل الرسول صلى اللّه عليه و آله و الخطاب لحاضري الوقت من قريش المخالفين له مع طلحة و الزبير و إن صدق في حقّ غيرهم،و المراد أنّا سبب هدايتكم بأنوار الدين و ما أنزل اللّه من الكتاب و الحكمة «هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ» حيث كنتم في ظلمات الجهل و تلك الهداية هي الدعوة إلى اللّه و تعليم الخلق كيفيّة السلوك إلى حضرة قدسه. استعارة مرشحة و قوله تسنمّتم العلياء .أي بتلك الهداية و شرف الإسلام علا قدركم و شرّف ذكركم،و لمّا استعار وصف السنام للعلياء ملاحظة لشبهها بالناقة رشّح تلك الاستعارة بذكر التسنّم و هي ركوب السنام و كنّى به عن علوّهم.
استعارة قوله و بنا انفجرتم عن السرار .استعار لفظ السرار لما كانوا فيه من ليل الجهل في الجاهلية و خمول الذكر،و لفظ الانفجار عنه لخروجهم من ذلك إلى نور الإسلام و اشتهارهم في الناس و ذلك لتشبيهم بالفجر الطالع من ظلمة السرار في الضياء و الاشتهار ،قوله وقر سمع لم يفقه الواعية كالتفات إلى الدعاء بالوقر على سمع لا يفقه صاحبه بواسطته علما و لا يستفيد من السماع به مقاصد الكتب الإلهيّة و كلام الأنبياء عليهم السّلام و الدعاة إلى اللّه،و حقّ لذلك السمع أن يكون أصمّ إذ كانت الفائدة منه المقصودة إلى الحكمة الإلهيّة اكتساب النفس من جهته ما يكون سببا لكمالها و قوّتها على الوصول إلى جناب اللّه و ساحل عزّته،فإذا كانت النفس معرضة عمّا يحصل من جهته من الفائدة و ربّما كانت مع ذلك متلقّية منه ما يؤدّيه من الشرور الجاذبة لها إلى الجهة السافلة فحقيق به أن يكون موقورا،و من روى وقر على ما لم يسمّ فاعله فالمراد و قره اللّه و هو كلام على سبيل التمثيل أورده في معرض التوبيخ لهم و التبكيت بالإعراض عن أوامر اللّه و طاعته، كناية و كنّى بالواعية عن نفسه إذ صاح فيهم بالموعظة الحسنة و الحثّ على الألفة و أن لا يشقوا عصى الإسلام فلم يقلبوا ،و وجه نظام هذه الكلمة مع ما قبلها أنّه لمّا أشار أوّلا إلى وجه شرفه عليهم و أنّه ممّن اكتسب عنه الشرف و الفضيلة و كان ذلك في مقابلة