شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٤ - كيفيّة خلق آدم
ملاء إلى الأرض يسمّون بالجنّ رأسهم إبليس،و أسكنهم إيّاها و كانوا أخّف الملائكة عبادة فأعجب إبليس بنفسه و تداخله الكبر فأطلع اللّه عزّ و جلّ على ما انطوى عليه فقال له و لجنده« «إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ» » ١و قال بعضهم:إنّ المأمورين بالسجود لآدم هم كلّ الملائكة بدليل قوله تعالى «فَسَجَدَ الْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ» فأكّد جمعهم بأكمل وجوه التأكيد.
البحث الخامس-أكثر المتكلّمين لا
سيّما المعتزلة على أنّ إبليس لم يكن من
الملائكة
و قال جمهور المفسّرين و منهم ابن عبّاس:إنّه كان من ملائكة الأرض الّذين اهبطوا قبل آدم.حجّة الأوّلين قوله تعالى «إِلاّٰ إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ الْجِنِّ» و الجنّ لم يكونوا من الملائكة بدليل قوله تعالى للملائكة «أَ هٰؤُلاٰءِ إِيّٰاكُمْ كٰانُوا يَعْبُدُونَ» و قول الملائكة «سُبْحٰانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنٰا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كٰانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ» ٢و احتجّ من قال إنّه منهم باستثناء إبليس من الملائكة في غير موضع من القرآن الكريم،و الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل،و ذلك يدلّ على أنّ إبليس من الملائكة،و أجابوا عن حجّة الأوّلين من وجهين:
أحدهما المعارضة بقوله تعالى «وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً» و ذلك الجعل هو قول قريش:الملائكة بنات اللّه بدليل قوله تعالى «وَ جَعَلُوا الْمَلاٰئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبٰادُ الرَّحْمٰنِ إِنٰاثاً» فهذه الآية تدلّ على أنّ الملائكة من الجنّ.الثاني أنّ كون إبليس من الجنّ لا ينافي كونه من الملائكة يصدق عليهم اسم الجنّ لأنّ الجنّ مأخوذ من الاجتنان و هو الاستتار،و منه سمّى الجنين لاستتاره في بطن امّه و منه المجنون لاستتار العقل و الملائكة مستترون عن الأعين فوجب جواز إطلاق لفظ الجنّ عليهم،و اعلم أنّ الخلاف لفظيّ فإنّه إذا ثبت أنّ الملائكة الّذين اهبطوا إلى الأرض قبل آدم هم المسمّون بالجنّ و إبليس من الجنّ ثبت أنّ إبليس من الملائكة و ليس النزاع في أنّه من ملائكة الأرض أو من ملائكة السماء بل في كونه من الملائكة مطلقا فإذن ليس بينهم خلاف المعنى.
البحث السادس-اختلفوا في سبب عداوة إبليس لآدم
فقال بعضهم:إنّه الحسد و ذلك أنّ إبليس لمّا رأى ما أكرم اللّه به آدم من إسجاد الملائكة و تعليمه ما لم يطّلع عليه الملائكة