شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٢٤ - في بيان معنى الدين لغة و اصطلاحا
الصفات الحقيقيّة و السلبيّة و الإضافيّة اعتبارات تحدّثها عقولنا عند مقائسة ذاته سبحانه إلى غيرها،و لا يلزم تركيب في ذاته و لا كثرة فيكون وصفه تعالى بها أمرا معلوما من الدين ليعمّ التوحيد و التنزيه كلّ طبقة من الناس،و لمّا كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت كان الإخلاص الّذي ذكره عليه السّلام أقصى ما تنتهي إليه القوى البشريّة عند غرقها في أنوار كبرياء اللّه و هو أن تعتبره فقط من غير ملاحظة شيء آخر،و كان إثباته عليه السّلام الصفة في موضع آخر و وصفه في الكتاب العزيز و سنن النبويّة إشارة إلى الاعتبارات الّتي ذكرناها إذ كان من هو دون درجة الإخلاص لا يمكن أن يعرف اللّه سبحانه بدونها و باللّه التوفيق .
[قوله و من أشار إليه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه.]
قوله و من أشار إليه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه.
أقول:يشير إلى البرهان على أحد أمرين أحدهما أنّه يحتمل أن يكون مراده امتناع الإشارة العقليّة إليه و تعلّقها به فعلى هذا يكون تقرير المقدّمة الاولى من هذا البرهان أنّ من وجّه ذهنه طالبا لكنه ذاته المقدّسة و زعم أنّه وجدها و أحاط بها و أشار إليها من جهة ما هى فقد أوجب له حدّا يقف ذهنه عنده إذ الحقيقة إنّما تعلم من جهة ما هي و يشير العقل إلى كنهها إذا كانت مركّبة و قد علمت أنّ كلّ مركّب محدود في المعنى و لأنّ الإشارة العقليّة ملوّثة بالإشارة الوهميّة و الخياليّة مشوبة بهما و هما مستلزمان لإثبات الحدّ كما سيأتي،و أمّا تقرير المقدّمة الثانية فظاهر إذ كان حدّ الشيء إنّما يتألّف من كثرة معتبرة فيه و كلّ ذي كثرة معدود في نفسه و نتيجة هذا البرهان أنّ من أشار إليه فقد عدّه،و أمّا استحالة أن يكون معدودا فلما علمت فيما سبق أنّ الكثرة مستلزمة للإمكان،الثاني أنّه يحتمل أن يكون مراده أيضا نفي الإشارة الحسيّة الظاهرة و الباطنة إليه و بيان تنزيهه عن الوحدة العدديّة،و يكون تقرير المقدّمة الاولى أنّ من أشار إليه بأحد الحواسّ فقد جعل له حدّا أو حدودا أو نهايات تحيط به،و ذلك أنّ كلّ ما يشار إليه بالحسّ أيضا أو الباطن فلا بدّ و أن يشار إليه في حيّز مخصوص و على وضع مخصوص و ما كان كذلك فلا بدّ و أن يكون له حد أو حدود فإذن لو كان مشار إليها بأحدها لكان محدودا،و أمّا تقرير المقدّمة الثانية فالمراد بالعدّ هاهنا جعله مبدء كثرة يصلح أن