شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٢٣ - في بيان معنى الدين لغة و اصطلاحا
المقدّمة إلى نتيجة التركيب الأوّل ينتج أنّ من وصف اللّه سبحانه فقد جزّاه،و أمّا قوله و من جزّاه فقد جهله فلأنّ كلّ ذي جزء فهو يفتقر إلى جزء و جزئه غيره فكلّ ذي جزء فهو مفتقر إلى غيره و المفتقر إلى الغير ممكن فالمتصوّر في الحقيقة لأمر هو ممكن الوجود لا الواجب الوجود بذاته فيكون إذن جاهلا به و ضمّ هذه المقدّمة إلى نتيجة ما قبلها ينتج أنّ من وصف اللّه سبحانه فقد جهله و حينئذ يتبيّن المطلوب و هو أنّ كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه إذ الإخلاص له و الجهل به ممّا لا يجتمعان،و إذا كان الإخلاص منافيا للجهل به الّذي هو لازم لإثبات الصفة له كان إذن منافيا لإثبات الصفة له لأنّ معاندة اللازم تستلزم معاندة الملزوم،و إذ بطل أن يكون الإخلاص في إثبات الصفة له تثبت أنّه في نفي الصفة عنه و عند هذا يظهر المطلوب الأوّل و هو أنّ كمال معرفته نفي الصفات عنه و ذلك هو التوحيد المطلق و الإخلاص المحقّق الّذي هو نهاية العرفان و غاية سعي العارف من كلّ حركة حسيّة و عقليّة و ما يكون في نفس الأمر من غير تعقّل نقص كلّ ما عداه عنه معه فهو الوحدة المطلقة المبرّاة عن كلّ لاحق،و هذا مقام حسرت عنه نوافذ الأبصار،و كلّت في تحقيقه صوارم الأفكار،و أكثر الناس فيه الأقوال فانتهت بهم الحال إلى إثبات المعاني و ارتكاب الأحوال فلزمهم في ذلك الضلال ما لزمهم من المحال فإن قلت:هذا يشكل من وجهين أحدهما أنّ الكتب الإلهيّة و السنن النبويّة مشحونة بوصفه تعالى بالأوصاف المشهورة كالعلم و القدرة و الحياة و السمع و البصر و غيرها و على ما قلتم يلزم أن لا يوصف سبحانه بشيء منها،الثاني أنّه عليه السّلام صرّح بإثبات الصفة له في قوله ليس لصفته حدّ محدود و لو كان مقصوده بنفي الصفات ما ذكرتم لزم التناقض في كلامه عليه السّلام فالأولى إذن أن يخصّ قوله نفى الصفات عنه بنفي المعاني كما ذهب إليه الأشعري، و نفي الأحوال كما ذهب إليه المثبتون من المعتزلة و بعض الأشعريّة ليبقى للصفات المشهورة الجاريه عليه تعالى و لإثباته عليه السّلام الصفة للّه في موضع آخر محمل،أو يختصّ بنفي صفات المخلوقين كما أشار عليه السّلام في آخر الخطبة لا يجرون إليه صفات المصنوعين،و كما ذكره الشيخ المفيد من الشيعة في كتاب الإرشاد عنه جلّ أن تحلّه الصفات لشهادة العقول أنّ كلّ من حلّته الصفات مصنوع.قلت:قد سبق منّا بيان أنّ كلّ ما يوصف به تعالى من