شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٦٦ - ذكر ما رآه من ابتلاء الناس بالتخبط و الشماس
و قد كانوا كذلك بمخالفته عليه السّلام و الخروج عن طاعته فكان إطلاق أحد اللفظين عليهم لذلك.
قوله كأنّهم لم يسمعو اللّه يقول «تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» ١.تنبيه لأذهان الطوائف الثلاث المذكورة و من عساه يتخيّل أنّ الحقّ في سلوك مسالكهم على أنّ ما فعلوه من المخالفة عليه و القتال له إنّما هو طلب للعلوّ و المفاخرة في الدنيا المستلزم للسعي في الأرض بالفساد و إعراض عن الدار الآخرة و حسم لمادّة إعذارهم أن يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين فيقولوا عند لقاء ربهم لو سمعنا هذه الآية و وعيناها لما ارتكبنا هذه الأفعال،و يزعمون أنّ الحقّ في هذه المتّصلة هو استثناء نقيض تاليها لينتج لهم نقيض مقدّمها،و تقديره عليه السّلام لهذا العذر لهم،على سبيل التهكّم بهم و أنّه لا عذر لهم في الحقيقة ممّا فعلوه ثمّ أراد عليه السّلام تكذيبهم في ذلك العذر على تقدير اعتذارهم به فأشار إلى مكذّب النتيجة بوضع نقيضها مؤكّدا بالقسم البارّ،و إلى منع لزوم هذه المتّصلة بقوله بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها و لكنّه حليت الدنيا في أعينهم ،و نبّه على أنّ وضع المقدّم المذكورة في المتّصلة لا يستلزم تاليها مطلقا بل استلزامه له موقوف على زوال مانع هو حاصل لهم الآن و ذلك المانع هو غرور الدنيا لهم بزينتها و إعجابهم بها و على تقدير حصول المانع المذكور جاز أن يجتمع هذا المقدّم مع نقيض التالي المذكور و هو ارتكاب ما ارتكبوه من الأفعال.
قوله أما و الّذي فلق الحبّة و برء النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر و ما أخذ اللّه على العلماء إلى آخره.
أقول:لمّا ذكر من حال القوم و حاله معهم ما ذكر من الشكاية و التظلّم في أمر الخلافة و ذمّ الشورى و ما انتهى إليه من الحال الّتي أوجبت نزوله عن مرتبته إلى أن قرن بالجماعة المذكورين أردف ذلك ببيان الأعذار الحاملة على قبول هذا الأمر و القيام به بعد تخلّفه عنه إلى هذه الغاية،و قدّم على ذلك شاهدا هذا القسم العظيم بهاتين الإضافتين و هما فالق الحبّة و بارىء النسمة،و اعلم أنّ الوصف الأوّل قد ورد في القرآن الكريم و هو قوله «فٰالِقُ»