شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨٩ - حقيقة الجنّ و ماهيته
فيصدق عليها اسم التقليب،و قوله و معرفة يفرق بها بين الحقّ و الباطل إشارة إلى استعداد النفس لدرك المعقولات الثانية المسمّى عقلا بالملكة بحسب مالها من المعارف الاولى أعني البديهيّات فإنّ الحقّ و الباطل امور كلّية و ليس للقوى البدنيّة في إدراك الامور الكلّية حظّ يحتمل أن يشير بالمعرفة إلى القوّة الاستعداديّة الاولى للإنسان المسمّاة عقلا هيولانيّا،و قوله و الأذواق و المشامّ و الألوان و الأجناس نبّه هاهنا على ثلاثة امور:أحدها أنّ للإنسان آلة بها يدرك المذوقات،و اخرى بها يدرك المشمومات،و اخرى بها يدرك الألوان،و قد بيّنا ذلك،الثاني نبّه على أنّ النفس مدركة للجزئيات بواسطة هذه القوى إذ عدّها في نسق ما تتصرّف فيه النفس و تفرّق بينه و بين غيره،الثالث أنّه أخرّ قوله و الأجناس تنبيها على أنّ النفس تنتزع الامور الكلّية من تصفّح الجزئيّات فإنّ الأجناس امور كلّية و النفس بعد إدراك الجزئيّات و تصفحها تتنبّه لمشاركات بينها و مباينات فتنتزع منها تصوّرات كلّية و تصديقات كلّية و كأنّه عنى بالأجناس هاهنا الامور الكلّية مطلقا لا بعضها كما هو في الاصطلاح العلمي،و قوله معجونا بطينة الألوان المختلفة النصب على الحال من قوله إنسانا أو الصفة له،و المراد الإشارة إلى أنّ اختلاف أبدان النوع بعضها من بعض بالألوان بسبب قوّة استعداداتها لذلك كما قال صلى اللّه عليه و آله:فجاء منهم الأحمر و الأبيض و الأسود كما سبق و طينة الألوان و أصلها،و عجنه بها مزجه بها و تهيّئه و إعداده لقبولها على اختلافها و كذلك الحال في البدن الواحد فإنّه ليس لجملة أجزائه لون واحد فإنّ امتزاج بعض الأعضاء يقتضي أن يكون أبيض كالعظام و الأسنان و بعضها أحمر كالدم و بعضها أسود كالحدقة و الشعر،و كذلك اختلاف الأشخاص في الصفات المكنّي بها عن الاختلاف الواردة في تمام الخبر من قوله:و السهل و الخزن و الخبيث و الطيّب يرجع إلى أنّ الأرض لمّا كانت أكثر العناصر شركة في هذه الأبدان كان لاختلاف بقاعها أثر تامّ في تفاوت الامتزاج لقبول الأخلاق بالسهولة و الحزونة و الخبيث و الطيّب،و قوله و الأشباه المؤتلفة و الأضداد المتعادية و الأخلاط المتبائنة من الحرّ و البرد و البلّة و الجمود و المساء و السرور أمّا الأشباه المؤتلفة فكالعظام و الأسنان و أشباهها فإنّها أجسام متشابهة ائتلف بعضها مع بعض،و بها قامت الصورة البدنيّة و امتزجت بطينتها،و أمّا الأضداد المتعادية فكالكيفيّات