شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٢ - ١٦-و من كلام له عليه السّلام في ذمّ من يتصدّى للحكم بين الأمّة و ليس لذلك بأهل
عرفت ذلك فنقول:من اعتقد جزما و ظنّا بأنّ نفسه أو أحدا غير اللّه تعالى ممّن ينسب إليه التأثير و القدرة هو المتمكّن من الفعل و أنّه تامّ القدرة على تحصيل مراده و الوفاء به فإنّ ذلك من أقوى الأسباب المعدّة لأن يفيض اللّه على قلبه صورة الاعتماد على المعتقد فيه و التوكّل عليه فيما يريده،و ذلك معنى قوله وكّله اللّه إلى نفسه ،و كذلك معنى الوكول إلى الدنيا و ذلك بحسب اعتقاد الإنسان أنّ المال و القينات الدنيويّة وافية بمطالبه و تحصيلها مغنية له عمّا وراءها،و بحسب قوّة ذلك التوكّل و ضعفه يكون تفاوت بغض اللّه تعالى للعبد و محبّته له،و بعده و قربه منه فلن يخلص إذن العبد من بغض اللّه إلاّ بالتوكّل عليه حقّ توكّله.قال اللّه تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» و هو أعظم مقام وسم صاحبه بمحبّة اللّه فمن كان اللّه حسبه و كافيه و محبّه و مراعيه فقد فاز الفوز العظيم،فإنّ المحبوب لا يبغض و لا يعذّب و لا يبعّد و لا يحجب.و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:من انقطع إلى اللّه كفاه كلّ مؤنه و رزقه من حيث لا يحتسب،و من انقطع إلى الدنيا وكّله اللّه تعالى إليها،و صورة المتوكّل عليه أن تثبت في نفسك بكشف أو اعتقاد جازم أنّ استناد جميع الأسباب و المسبّبات إليه سبحانه و أنّه الفاعل المطلق تامّ العلم و القدرة على كفاية العباد تامّ العفو و الرحمة و العناية بخلقه حيث لا يكون وراء قدرته و علمه و عنايته رحمة و عناية،و لم يقع في نفسك التفات إلى غيره بوجه حتّى نفسك و حولك و قوّتك فإنّك و الحال هذه تجد من نفسك تسليم امورها بالكلّيّة إليه و البراءة من التوكّل على أحد إلاّ عليه،فإن لم تجد من نفسك هذه الحال فسبب ذلك ضعف الأسباب المذكورة أو بعضها و غلبة الوهم على النفس في معارضته لذلك اليقين،و بحسب ضعف تلك الأسباب و شدّتها و زيادتها و نقصانها يكون تفاوت درجات التوكّل على اللّه تعالى.الثاني كونه جائرا عن قصد السبيل أي قصد سبيل اللّه العدل و صراطه المستقيم،و علمت أنّ الجور هو طرف الإفراط من فضيلة العدل،الثالث كونه مشعوفا بكلام بدعة أي معجب بما يخطر له و يبتدعه من الكلام الّذي لا أصل له في الدين و يدعو به الناس إلى الضلالة و الجور عن القصد،و هذا الوصف لازم عمّا قبله فإنّ من جار عن قصد السبيل بجهله فهو يعتقد أنّه على سواء السبيل فكان ما يتخيّله من ذلك الكمال الّذي هو نقصان في الحقيقة مستلزما لمحبّة قول الباطل و ابتداع المحال فهو من الأخسرين