شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨٤ - تحقيق في الحواسّ الظاهرة و الباطنة
.
المقدّمة الثانية قد علمت أنّ الملك عندهم اسم مشترك يقع على حقائق مختلفة
،فأمّا لفظ الجنّ فهو و إن صدق في أصل اللغة على كلّ الملائكة لكونه مأخوذا من الاجتنان و هو الاستتار،و كون الملائكة مستترين على الأعين فإنّهم يخصّون في عرفهم هذا اللفظ بالأرواح الّتي تخصّ عالم العناصر فتارة يطلقون عليها أنّها ملائكة باعتبار كونهم مرسلين من عند اللّه فاعلين لما أمر اللّه جارين على نظام العقل،و تارة يطلقون عليها أنّها جنّ باعتبار الاجتنان،و هم جنّ مسلمون باعتبار موافقة العقل و التصرّف على وفق مصلحة العالم و نظامه،و كفّار و شياطين باعتبار مخالفتها لذلك،فأمّا صدق اسم الجنّ على النفوس الناطقة الإنسانيّة فقد تعتبر من جهة اخرى،و هي كونها عالمة ترى بنور العلم من حيث لا ترى فهي مجتنّة محجوبة عن أبصار الجاهلين ثمّ هي إمّا أن تكون عالمة أو جاهلة و على التقديرين فإمّا أن يكون موافقة لظواهر الشريعة منقادة لها متمسّكة بها أو ليس كذلك فهذه أقسام أربعة،أوّلها النفوس العالمة العاملة بمقتضى الشريعة و هذه الطائفة هم الجنّ المسلمون و المؤمنون قالوا:و هم الّذين أمر اللّه تعالى نبيّه بالإخبار عنهم في قوله تعالى «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقٰالُوا إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّٰا بِهِ» ١إلى آخر الآيات قالوا:و ممّا يبيّن ذلك أنّ السماء الّتي أخبر الجنّ عنها أنّهم لمسوها هي سماء الحكمة و هي الشريعة الّتي استترت فيها قالوا:و لمسهم لها عبارة عن اعتبارهم أمر الشريعة في مبدء ظهورها هل يصحّ لهم معها إظهار الحكمة و يمكنهم أخذها و إعطاؤها بالتعلّم و التعليم كما كان يفعل قبل ذلك أم لا،و قولهم« «فَوَجَدْنٰاهٰا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً» » ٢إشارة إلى حفظة الشريعة و هم علماء الشريعة و الملوك الصالحون اللازمون لناموس الشريعة و قوانينها،و قولهم« «وَ أَنّٰا كُنّٰا نَقْعُدُ مِنْهٰا مَقٰاعِدَ لِلسَّمْعِ» » ٣إشارة إلى أنّهم كانوا قبل ظهور الشرائع يتدارسون الحكمة و يتعلّمونها و لم يكن عليهم إنكار،و قولهم« «فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهٰاباً رَصَداً» » ٤إشارة إلى أنّ المظهر للحكمة بعد وجود الشريعة