شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٢٧ - بيان آداب الحجّ
يحومه مكان ليكون ذلك أبلغ في رقّهم و عبوديّتهم،و لذلك وظّف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس و لا تهتدى إلى معانبها العقول كرمي الجمار بالأحجار و التردّد بين الصفا و المروة على سبيل التكرار،و بمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرّق و العبوديّة بخلاف سائر العبادات كالزكاة الّتي هي إنفاق في وجه معلوم و للعقل إليه ميل،و الصوم الّذي هو كسر للشهوة الّتي هي عدوّ للّه و تفرّغ للعبادة بالكفّ عن الشواغل،و كالركوع و السجود في الصلاة الّذي هو تواضع للّه سبحانه بأفعال على هيئات التواضع و للنفوس انس بتعظيم اللّه تعالى.و أمّا أمثال هذه الأعمال فإنّه لا اهتداء للعقل إلى أسرارها فلا يكون للإقدام عليها باعث إلاّ الأمر المجرّد و قصد امتثاله من حيث هو واجب الاتّباع فقط و فيه عزل للعقل عن تصرّفه و صرف النفس و الطبع عن محلّ انسه المعين على الفعل من حيث هو فإنّ كلّ ما أدرك العقل وجه الحكمة في فعله مال الطبع إليه ميلا تامّا فيكون ذلك الميل معينا للأمر و باعثا على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرقّ و الانقياد،و لذلك قال صلى اللّه عليه و آله في الحجّ على الخصوص:لبّيك بحجّة حقّا تعبّدا و رقّا،و لم يقل ذلك في الصلاة و غيرها،و إذا اقتضت حكمة اللّه سبحانه ربط نجاة الخلق بكون أعمالهم على خلاف أهوية طباعهم و أن يكون أزّمتها بيد الشارع فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد و مقتضي الاستبعاد كان مالا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبّدات و صرفها عن مقتضي الطبع إلى مقتضي الاسترقاق،و لهذا كان مصدر تعجّب النفوس من الأفعال العجيبة هو الذهول عن أسرار التعبّدات،و أمّا الشوق فباعثه الفهم أنّ البيت بيت اللّه و أنّه وضع على مثال حضرة الملوك فقاصده قاصد اللّه تعالى و من قصد حضرة اللّه تعالى بالمثال المحسوس فجدير أن يترقّى منه بحسب سوق شوقه إلى الحضرة العلويّة و الكعبة الحقيقيّة الّتي هي في السماء و قد بنى هذا البيت على قصدها فيشاهد وجه ربّه الأعلى بحكم وعده الكريم،و أمّا العزم فليستحضر في ذهنه أنّه لعزمه مفارق للأهل و الولد،هاجر للشهوات و اللذّات مهاجر إلى ربّه،متوجّه إلى زيارة بيته و ليعظّم قدر البيت لقدر ربّ البيت و ليخلّص عزمه للّه و يبّعده عن شوائب الرياء و السمعة فإنّ ذلك شرك خفيّ،و ليتحقّق أنّه لا يقبل من عمله و قصده إلاّ الخالص و أنّ من أقبح المقابح أن يقصد بيت الملك و حرمه مع اطّلاع ذلك الملك على